ثم يقول الحق سبحانه :
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( ٢٨ ) .
( متى ) يستفهم بها عن الزمان، والاستفهام بها يدل على أنك استبطأت الشيء فاستفهمت : متى يحدث ؟
الرسول صلى الله عليه وسلم حين بعث أخبر قومه أنه مرسل إليهم بمنهج من الله، وقد أيده الله بالمعجزات، وأخبرهم بمصير من اتبعه ومصير من خالفه، وأن ربه عز وجل ما كان ليرسله إليهم، ثم يسلّمه أو يتخلى عنه، فهو لا بدّ منتصر عليهم، فهذه سنة الله في أنبيائه ورسله، حيث قال سبحانه : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( ١٧١ ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( ١٧٢ ) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ( ١٧٣ ) [ الصافات ].
لذلك قلنا : إذا رأيت موقفا لم ينتصر فيه المسلمون، حتى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة، فاعلم أن الجندية عندهم قد اختلت شروطها، فلم يكونوا في حال الهزيمة جنودا لله متجردين.
وحين نتأمل الأحداث في ( أحد ) نجد أن الله تعالى يقول للمسلمين لا تظنوا أن وجود رسول الله بينكم يحميكم أو يخرجكم عن هذه القضية، فهذه سنة لله في كونه لا تتبدل.
ففي ( أحد ) خالف المسلمون أوامر رسول الله، حين نزل الرماة وتركوا أماكنهم طمعا في الغنائم، فالتفّ عليهم المشركون، وكانت النتيجة لا نقول انهزموا، إنما هم لم ينتصروا، لأن المعركة ( ماعت ) والرسول موجود بينهم١.
والبعض يرى في هذه النتيجة التي انتهت إليها الحرب في أحد مأخذا، فيقول : كيف يهزم جيش يقوده رسول الله ؟ وهذه المسألة تحسب للرسول لا عليه، فالرسول لن يعيش بينهم دائما، ولا بدّ لهم أن يروا بأعينهم عاقبة مخالفتهم لأمر رسول الله، وأن يشعروا بقداسة هذه الأوامر، ولو أنهم انتصروا مع المخالفة لفقدوا الثقة في أوامر رسول الله بعد ذلك، ولم لا وقد خالفوه في أحد وانتصروا ! !
كذلك في يوم حنين الذي قال الله فيه : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ.. ( ٢٥ ) [ التوبة ].
وكان من إعجاب المؤمنين بكثرتهم أن يقول أبو بكر نفسه : لن تغلب اليوم عن قلة، لذلك لقنهم الله تعالى درسا، وكادوا أن يهزموا، لولا أن الله تداركهم في النهاية برحمته، وتحولت كفّة الحرب لصالحهم، وكأن التأديب جاء على قدر المخالفة.
فالحق سبحانه يعلمنا امتثال أمره، وأن نخلص في الجندية لله سبحانه، وأن ننضبط فيها لنصل إلى الغاية منها، فإن خالفنا حرمنا هذه الغاية، لأنني لو أعطيتك الغاية مع المخالفة لما أصبح لحكمي مكان احترام ولا توقير.
وهنا يحكي الحق تبارك وتعالى عن المشركين قولهم لرسول الله : مَتَى هَذَا الْفَتْحُ.. ( ٢٨ ) [ السجدة ] أي : النصر الذي وعدكم الله به، وقد كان هذا النصر غاية بعيدة المنال أمام المؤمنين، فما زالوا قلّة مستضعفة.
لذلك لما نزل قول الله تعالى : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( ٤٥ ) [ القمر ] تعجب عمر حتى قال : أيّ جمع هذا، ونحن لا نستطيع أن نحمي أنفسنا ؟ لكن الحق سبحانه لم يطل عليهم هذا الوضع، وسرعان ما جاءت بدر، ورأى عمر بعينه كيف تحقّق وعد الله، وكيف هزم جمع المشركين، ورددها بنفسه بعد المعركة : نعم يا رب، سيهزم الجمع ويولون الدبر٢.
ومن العجيب أن يدل رسول الله على الكفار وعلى أصحابه وأنصاره بفيض الله عليه، وأنه أخبره بنتيجة المعركة قبل حدوثها، فيقف صلى الله عليه وسلم في أرض بدر، ويشير بعصا في يده إلى مصارع المشركين : هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة، وهذا مصرع الوليد٣.. الخ.
فمن يستطيع أن يحدد نتيجة معركة بهذا التفصيل، والمعركة أخذ وردّ وكرّ وفرّ واختلاط، مع أنهم لم يخرجوا لحرب، إنما خرجوا لملاقاة قافلة قريش التجارية، فما بالك لو خرجوا على حال استعداد للحرب، وهذه سيأخذها الكفار قياسا يقيسون عليه قوة المسلمين الوليدة، وسيقذف الله بهذه النتيجة الرعب في قلوب الكفار، ولم لا وقد انتصرت القلة المستضعفة غير المجهزة على الكثرة المتعجرفة المستعدة للحرب.
والاستفهام هنا مَتَى هَذَا الْفَتْحُ.. ( ٢٨ ) [ السجدة ] ليس استفهاما على حقيقته، إنما يراد به الاستهزاء والسخرية، وجواب الله على هذا الاستفهام يحدد نيتهم منه، فهم يستبعدون هذا النصر وهذه الغلبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين، لكنهم يستبعدون قريبا، ويستعجلون أمرا آتيا لا ريب فيه.
وقد سجّل القرآن عليهم مثل هذا الموقف في قوله تعالى حكاية عن الكفار يقولون لرسولهم : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( ٧٠ ) [ الأعراف ].
كلمة ( الفتح ) إن جاءت معرّفة بأل فخيرها مضمون، فاعلم أنها نعمة محروسة لك سينالك نفعها، فإن جاءت نكرة فلا بدّ لها من متعلق يوضح الغاية منها : أهذا الفتح لك أم عليك ؛ فقوله تعالى في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ( ١ ) [ الفتح ] دلّ على أن هذا الفتح لصالحه صلى الله عليه وسلم، فهو غنم لا غرم، كما يقولون في حسابات البنوك : له وعليه.
أما الأخرى، ففي قوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ.. ( ٤٤ ) [ الأنعام ].
إذن : تنبّه لما يفتحه الله عليك، ولا تغترّ به، وتأمّل : أهو لك أم عليك ؟ وإياك أن تطغيك النعمة إذا ( زهزهت ) لك الدنيا، فلعلها استدراج وأنت لا تدري، فالفتح يحتمل المعنيين، واقرأ إن شئت :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.. ( ٩٦ ) [ الأعراف ] أي : احذروا هذه النعمة لا تطغيكم.
وكلمة ( الفتح ) تأتي بمعان متعددة، يحددها السياق، كما قلنا في كلمة العين، فتأتي بمعنى العين الباصرة، تقول : رأيت فلانا بعيني، وتقول : جدت على فلان بعين مني أي : بالذهب أو الفضة، وتقول : سمحت له أن يروي أرضه من عيني أي : عين الماء، وتقول : هؤلاء عيون فلان أي : جواسيسه، وهذا يسمونه : المشترك اللفظي.
وكلمة ( الفتح ) تستخدم أولا في الأمر المادي، تقول : فتحت الباب أي : أزلت مغاليقه، وهذا هو الأصل في معنى الفتح، فالحق سبحانه يقول في قصة سيدنا يوسف عليه السلام : وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ.. ( ٦٥ ) [ يوسف ] ففتحوا متاعهم الفتح المادي الذي يزيل عنه الأربطة.
وقد يراد الفتح المعنوي، كما في قول الله تعالى : وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ.. ( ٧٦ ) [ البقرة ] أي : بما أعطاكم الله ومنحكم من الخير ومن العلم.
ويأتي الفتح بمعنى إظهار الحق في الحكم بين حق وباطل وتجلية الأمر فيه، لذلك يسمى أهل اليمن القاضي ( الفاتح ).
ويأتي بمعنى النصر والغلبة، كما في هذه الآية التي معنا : وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( ٢٨ ) [ السجدة ] ولا بد أن يقول المؤمنون في إجابة هذا السؤال : نحن لا نقول أننا صادقون أو كاذبون في هذا الخبر، لأن هذه مسألة بعيدة عنا، ولا دخل لنا بها، إنما هي من الله الذي أخبرنا هذا الخبر، فنحن لا نوصف فيه، لا بصدق ولا كذب.
ولكي يكون الإنسان عادلا ينبغي أن ينسب الفعل إلى فاعله، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر قومه خبر إسرائه قال : " لقد أسري بي الليلة من مكة إلى بيت المقدس " ٤ ولم يقل سريت ومع ذلك سأله القوم : أتدّعي أنك أتيتها في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا ؟ وهذه مغالطة منهم، لا عدم فهم لمقالة رسول الله، لأنهم أمة كلام، ويفهمون جيدا معاني الألفاظ.
إذن : رسول الله ما سرى بذاته، إنما أسرى الله به، فمن أراد أن يبحث هذه المسألة فليبحثها في ضوء قدرة الله، وكيف يكون الزمن بالنسبة لله تعالى، وقلنا : إن الفعل الذي يستغرق زمنا هو الفعل العلاجي، إنما ربنا تبارك وتعالى لا يعالج الأفعال، فقط يقول كن فيكون، والفعل يتناسب مع زمنه تناسبا عكسيا، فكلما زادت قوة الفاعل قلّ زمن الفعل، وعليه لو نسبت حادثة الإسراء إلى قوة الحق تبارك وتعالى لوجدت الزمن لا زمن.
٢ قال عكرمة: لما نزلت سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر] قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي: أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ" فعرفت تأويلها يومئذ. أورده ابن كثير في تفسيره (٤/٢٢٦) وعزاه لابن أبي حاتم..
٣ أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٧٩)، وأحمد في مسنده (٣/٢١٩، ٢٥٨) من حديث أنس بن مال رضي الله عنه..
٤ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٧١٠)، وكذا مسلم في صحيحه (١٧٠) كتاب الإيمان، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه..
تفسير الشعراوي
الشعراوي