ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

وكما تحدث كتاب الله في الربع الماضي عن حالة ( الظهار ) وحالة ( التبني ) وعلاقة أولي الأرحام بعضهم مع بعض، وعلاقة المؤمنين بالرسول الأعظم وبأزواجه أمهات المؤمنين، فبين حكم الله فيما وصفه من تلك الحالات، وحدد نوع العلاقات الشرعية في تلك المجالات، ها هو يعود مرة أخرى إلى الحديث عن بعض الموضوعات التي لها نوع ارتباط واتصال بما سبق، وفي طليعتها وضع الأسرة النبوية، من الناحية المادية والناحية الأدبية.
وحيث أن للإنسان حالتين : حالة هو فيها تسمى ( الدنيا )، وحالة لا بد أن يصير إليها وهي ( الأخرى )، والإنسان فيما بينهما إما أن يحصر مطالبه ويركز اهتمامه على الحالة الأولى، أو يحصر مطالبه ويركز اهتمامه على الحالة الثانية، أو يهتم بالحالتين معا وبما يلزمهما من مطالب مشتركة، فقد أمر الله رسوله أن يجري استفتاء بين أزواجه، ويطلب منهن التعبير بصراحة عن رغبتهن الدفينة هل يردن الحياة الدنيا وزينتها، ولا يجدن الراحة وهدوء البال، في عيشة الإقلال وضيق الحال، التي اختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه وأهله، أم يردن الله ورسوله والدار الآخرة، فيقنعن من متاع الدنيا بالقليل، ويكتفين بالمكانة الدينية والأدبية التي ينفردن بها عن نساء العالم، إذ ليس لها بينهن مثيل، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى مخاطبا رسوله : ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا( ٢٨ ) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما( ٢٩ ) .
وهكذا أصبح أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام اختيار حاسم، فمن اختارت منهن الحياة الدنيا وزينتها واعتبرت الجانب المادي أهم من الجانب الروحي كان لها الحق في السراح الجميل والمتاع بالمعروف، ونتيجة ذلك مفارقة بيت الرسول والخروج من عصمته، ومن اختارت الله ورسوله، وقدرت حظوة الانتماء إلى بيت الرسول، والاندماج في أهله حق قدرها، دون أن تعير اهتماما كبيرا للجانب المادي العابر، بقيت في بيت الرسول، فحافظت على مالها من مقام كريم، وفازت من الله - جزاء إحسانها - بالأجر العظيم.
والمراد ( بالسراح الجميل ) في هذه الآية مفارقة الزوج لزوجته دون أن يلحق بها أي ضرر، لا من الناحية الأدبية، بالإساءة إلى عرضها أو ذكر عيوبها، ولا من الناحية المادية، بمفارقتها في غير الوقت المشروع للفراق، أو بتضييع حق من حقوقها. ونظير هذا المعنى قوله تعالى في سورة البقرة في آية سابقة ( ٢٢٩ ) : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، وقوله تعالى في آية لاحقة من هذه السورة ( ٤٩ ) : وسرحوهن سراحا جميلا .
ومعنى قوله تعالى هنا : أمتعكن ، أي : أمنحكن عند الفراق عطاء مناسبا، من باب المواساة والتسلية، والعون على اجتياز مرحلة الفراق الصعبة، في انتظار استئناف حياة زوجية جديدة، وسبق في سورة البقرة ( ٢٣٦ ) قوله تعالى : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف، حقا على المحسنين ، وقوله تعالى في آية أخرى ( ٢٤١ ) : وللمطلقات متاع بالمعروف، حقا على المتقين ، أما نتيجة استفتاء الرسول لأزواجه حول نمط العيش الذي يرغبن فيه، ويحرصن عليه، فقد كانت هي موافقة الواحدة تلو الأخرى، عن رضى واقتناع، على البقاء في عصمته، والتمسك بعدم مفارقته، والاكتفاء بما قسم الله له في معيشته، تعلقا بمحبته وطاعته.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير