اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا (١).
١٢ - ثم ذكر ابنه سليمان وما أعطاه من الخير والكرامة، فقال: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ قال الفراء: (نصب الريح على: وسخرنا لسليمان الريح، وهي منصوبة في الأنبياء وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً [الأنبياء: ٨١] أضمر وسخرنا، ورفع عاصم: ولسليمان الريح، لما لم يظهر التسخير، وأنشد:
ورأيتما لمجاشع نعما.... وبني أبية جاملا (٢) رغب (٣)
يريد رأيتم لبني أبية، فلما لم يظهر (٤) الفعل رفع باللام) (٥). فقال أبو إسحاق: (النصب في الريح على الوجه، على معنى: وسخرنا لسليمان الريح، ويجوز الرفع على معنى: [ثبتت] (٦) له الريح، وهو يؤول إلى معنى: سخرنا كما أنك إذا قلت: لله الحمد، فتأويله: استقر لله الحمد (٧)، وهو يرجع إلى معنى: أحمد الله الحمد) (٨).
(٢) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: جامل.
(٣) البيت من الكامل، ولم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٥٦ - ٤٠١، "ديوان الأدب" ١/ ٣٥٨.
والجامل: جماعة الجمال والنوق، اللسان (جمل) ١١/ ١٢٤، والرغب: كل ما اتسع فقد رغب رغبًا، "اللسان" (رغب) ١/ ٤٢٤.
(٤) في النسخ: (يضمر)، والتصحيح من "معاني القرآن" للفراء.
(٥) "معاني القرآن" ٢/ ٣٥٦.
(٦) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج.
(٧) في (أ): (الوحد).
(٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٤٥.
وقال أبو علي: (وجه النصب أن الريح حملت على التسخير في قوله فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ [ص: ٣٦] كذلك ينبغي أن تحمل هنا عليه، ووجه الرفع أن الريح إذا سخرت لسليمان، جاز أن يقال: له الريح على معنى: له تسخير (١) الريح، فالرفع على هذا يؤول إلى معنى النصب؛ لأنه المصدر المقدر في تقدير الإضافة إلى المفعول به) (٢).
قوله تعالى: غُدُوُّهَا أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له شهر، أي: مسيرة شهر، وعلى هذا التقدير قوله: وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ أي: سير رواحها سير شهر. قال الحسن: (كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر (٣)، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من اصطخر فمِبيت بكابل (٤)، وما بينهما مسيرة شهر للمسرع) (٥).
وقال السدي: كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب.
(٢) "الحجة" ٦/ ١٠.
(٣) اصطخر: بالكسر وسكون الخاء المعجمة، والنسبة إليها اصطخري، بلدة بفارس، وهي من أعيان حصون فارس، وبها كانت قبل الإسلام خزائن الملوك، ومن أشهر مدنها: البيضاء، ومائتين، ويزد وغير ذلك، ينسب إليها جماعة وافرة من أهل العلم. انظر: "معجم البلدان" ١/ ٢١١.
(٤) (كابل) بضم الباء الموحدة ولام، من ثغور طخارستان، ولها من المدن: واذان وخواش وخشك وجزه، غزاها المسلمون في أيام بني مروان وافتتحوها، قلت: هي عاصمة جمهورية أفغانستان اليوم.
انظر: "معجم البلدان" ٤/ ٤٢٦.
(٥) انظر: "تفسير الماوردي" ٤/ ٤٣٧، "المحرر الوجيز" ٤/ ٤٠٨، "مجمع البيان" ٨/ ٥٩٨، "البحر المحيط" ٨/ ٥٢٦، "تفسير القرطبي" ١٤/ ٢٦٩.
وهذا قول جماعة المفسرين (١). قالوا: والمعنى إلى غدوها، إلى انتصاف النهار، إلى الليل مسيرة شهر.
قوله تعالى: وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أي: أذبنا له عين النحاس.
وقال ابن عباس والسدي وشهر بن حوشب ومجاهد ومقاتل: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كمجرى الماء في صنعاء، يعمل بها ما أحب كما يعمل بالطين، وإنما يعمل الناس اليوم بما أعطي سليمان (٢).
وقوله: وَمِنَ الْجِنِّ أي: سخرنا له من الجن.
مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي: بأمر ربه. قال مقاتل: يعني رب سليمان (٣).
قال ابن عباس: سخرهم وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم به (٤).
وَمَنْ يَزِغْ أي: ومن يعدل. مِنْهُمْ من الجن. عَنْ أَمْرِنَا لهم بطاعة سليمان. نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ قال مقاتل: يعني الوقود في الآخرة. وهو قول أكثر المفسرين.
وقال عطاء عن ابن عباس: مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ الوقود. وهذا القول على هذا الإطلاق يحتمل ما قال بعضهم: إن هذا العذاب لمن زاغ عن أمر سليمان كان في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكَّلَ ملكًا بيده سوط من نار،
(٢) انظر: "تفسير الماوردي" ٤٣٧/ ٤، "مجمع البيان" ٨/ ٥٩٨، "تفسير القرطبي" ١٤/ ٢٧٠، "زاد المسير" ٦/ ٤٣٨.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ٩٧ ب.
(٤) انظر: "مجمع البيان" ٨/ ٥٩٨، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص ٤٢٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي