ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

في الآيات الأخيرة من الربع الماضي وجه كتاب الله الخطاب إلى نبيه، آمرا له أن يتحدى المشركين، ويطلب منهم دعوة شركائهم الذين يتمسكون بعبادتهم، ويعلقون الأمل على شفاعتهم، مسجلا على أولئك الشركاء العجزة المفاليس، فقرهم المدقع وعجزهم التام، إذ قال تعالى فيما سبق : قل أدعو الذين زعمتم من دون الله، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وما لهم فيهما من شرك .
وفي بداية هذا الربع وجه كتاب الله الخطاب إلى نبيه، آمرا له أن يواصل تحديه للمشركين، ويوجه إليهم سؤالا ملحا عمن يرزقهم، وهل أولئك الشركاء الذين يعبدونهم هم الذين يرزقونهم، مع أنهم لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وحيث أنه كان من المنتظر أن يتلعثموا ولا يجيبوا، فقد أذن الله لنبيه أن يتولى هو بنفسه الجواب نيابة عنهم، بمقتضى لسان الحال، الذي هو أفصح من لسان المقال، وذلك قوله تعالى في السِؤال : قل من يرزقكم من السماوات والأرض ، فكان الجواب، قل الله .
قال جار الله الزمخشري محللا السر في توجيه السؤال وتلقي الجواب من مصدر واحد، وهو نفس النبي عليه السلام : " أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله : قل الله ، وذلك للإشعار بأنهم مُقرُّون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق، مع علمهم بصحته، ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله : قل من يرزقكم من السماء والأرض، أمن يملك السمع والأبصار ، ( ٣١ : ١٠ ) إلى أن قال : فسيقولون الله ، ثم قال فماذا بعد الحق إلا الضلال ( ٣٢ : ١٠ )، فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة كانوا يتلعثمون عنادا وإصرار، وحذرا من التزام الحجة ".
ورغما عن وضوح الحجة وسلامة البرهان، على أن الله الذي يرزق عباده هو الذي يستحق عبادتهم وطاعتهم، ومن عبده هو الذي يكون على هدى، وأن من لا تأثير له في خلق ولا رزق، ولا شرك له في السماوات والأرض، ينبغي أن يهمل ويسقط من الحساب، ومن عبده هو الضال المضل، قال تعالى مستدرجا للكافرين المشركين، وإن كان الحق كله مع المؤمنين الموحدين، وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين( ٢٤ ) قل لا تسئلون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعلمون( ٢٥ ) .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير