ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟ

ثم بين أنهم كالذين من قبلهم كَذّبوا مثلَ عادٍ وثمودٍ وغيرهم.
قوله : وَمَا بَلَغُوا الظاهر أن الضمير في «بلغوا » وفي «آتيناهم » للَّذِين من قبلهم١ ليناسق قوله : فَكَذَّبُوا رُسُلِي يعني أنهم لم يبلغوا في شكر النعمة وجزاء المِنّة «مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ » من النعم والإحسان إليهم٢. وقيل : بل ضمير الرفع لقريش والنصب «للذين من قبلهم » وهو قول ابن عباس على معنى أنهم كانوا أكثر أموالاً، وقيل : بالعكس على معنى إنا أعطيْنَا قريشاً من الآيات والبراهين ما لم نُعْطِ من قبلهم٣. واختلف في المعشار فقيل : هو بمعنى العُشْر بني مِفْعَال من لفظ العُشْر كالمِرْبَاع، ولا ثالث لهما من ألفاظ العدد لا يقال : مِسْدَاس ولا مِخْمَاس٤، وقيل : هو عُشْرُ العُشْرِ٥، إلا أن ابن عطية أنكره وقال : ليس بشيء٦ وقال المَاوَرْدِيُّ : المعشار هنا عُشْر العَشِيرِ٧، والعَشِيرُ هو عُشْرُ العُشْرِ٨.
فيكون جزءاً من ألف قال : وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل٩.

فصل


المعنى أن هؤلاء المشركين ما بلغوا مِعْشَارَ ما أعطينا الأمم الخالية من النِّعْمَة والقوة١٠ وطول العُمْرِ فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ؟ أي إنكاري وتغييري١١ عليهم يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية وقيل : المراد وكذَّب١٢ الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم أي الذين من قبلهم ما بلغوا مِعْشَار ما آتينا قوم محمد من البَيَان والبُرْهان وذلك لأن كتاب محمد - عليه السلام- أكملُ من سائر الكتب وأوضح ومحمد - عليه السلام- أفضل من جميع الرسل وأفصح وبرهانه أوفى، وبيانه أشفى، ثم إن المتقدمين لما كذبوا بما جاءهم من الكتب وبما آتاهم من الرسل أنكر عليهم فكيف لا ينكر عليهم وقد كذبوا بأفصح١٣ الرُّسل وأوضح السُّبُل ويؤيد هذا قوله تعالى : وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا يعني غير القرآن ما آتيناهم كتاباً «وَمَا أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِير » فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب فحمل الآية الثانية على إيتاء الكتاب أولى١٤.
قوله :«فكذبوا » فيه وجهان :
أحدهما : أنه معطوف على «كَذِّبَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ ».
والثاني : أنه معطوف على «وما بلغوا »١٥. وأوْضَحَهُما الزمخشري فقال :«فإن قلت : ما معنى «فكذبوا رسلي » وهو مستغنى عنه بقوله : وَكَذَّبَ الَّذِين مِنْ قَبْلِهِم ؟ قلتُ : لما كان معنى قوله : وَكَذَّبَ الِّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل سبباً عنه ونظيره أن يقول القائل : أقْدَمَ فلانٌ على الكفر فكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويجوز أن يعطف على قوله : وَمَا بَلَغُوا كقولك : مَا بَلَغَ زَيْدٌ مِعْشَارَ فَضْلِ عمرو فَيُفضِّلَ عليه »١٦ و «نَكِيرِ » مصدر مضاف لفاعله أي إنْكاري١٧ وتقدم حذف يائه وإثْبَاتُها١٨.
١ كلام في المعنى من البحر المحيط ٧/٢٨٩ والمصون ٤/٤٥٢..
٢ المرجعان السابقان..
٣ المرجعان السابقان..
٤ هو قول الزمخشري في الكشاف ٣/٢٩٤ والأخفش في معاني القرآن ٢/٦٦٣ والفراء في معاني القرآن أيضا ٢/٣٦٤ والزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٥٦ وقد قال الأخفش :ولا يقولون هذا في سوى العشر..
٥ قاله أبو حيان في البحر ناقلا له ٧/٢٩٠ والقرطبي في الجامع ١٤/٣١٠ والسمين في الدر ٤/٤٥٣..
٦ نقله عنه أبو حيان في بحره ٧/٢٩٠..
٧ المراجع السابقة..
٨ قال في اللسان عشر: "والعشر والعشير جزء من عشرة يطرد هذان البناءان في جميع الكسور والجمع أعشار وعشور وهو المعشار. وفي التنزيل :"وما بلغوا معشار ما آتيناهم". والعشير الجزء من أجزاء العشرة وجمع العشير أعشراء مثل نصيب وأنصباء ولا يقولون هذا في شيء سوء العشر، والعشير والعشر واحد مثل الثمين والثمن والسديس والسدس". اللسان: "ع ش ر" ٢٩٥٣..
٩ انظر: ما سبق من مراجع..
١٠ في (ب) القوة وبالنعمة بتقديم القوة على النعمة وليس كما في "أ"..
١١ في "ب" وتغيري بياء واحدة. وانظر هذا المعنى في غريب القرآن ٣٥٨ ومجاز القرآن ٢/١٥٠..
١٢ قاله الرازي ٢٥/٢٦٧..
١٣ كذا في الرازي وما في "ب" أوضح الرسل. وكلا اللفظين متقاربان..
١٤ المراجع السابقة..
١٥ الدر المصون ٤/٤٥٣ والكشاف ٣/٢٩٤..
١٦ انظر: الكشاف للعلامة الزمخشري ٣/٢٩٤، وفيه "فتفضل عليه" بدل من فيفضل عليه بالتاء لا بالياء..
١٧ بالمعنى من البحر ٧/٢٩٠. وقد قاله شهاب الدين في الدر ٤/٤٥٣ وقال في البحر ٧/٢٩٠: "والنكير مصدر كالإنكار وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل. والفعل على وزن أفعل كالنذير والعذير من أنذر وأعذر"..
١٨ يقصد: ثم أخذتهم فكيف كان نكير وهي الآية ٤٤ من سورة الحج وقد أثبت الياء في الوصل والوقف يعقوب وأثبتها في الوصل فقط ورش وإثباتها وصلا ووقفا قراءة عشرية، بينما إثباتها في الوصل يدل على أنها سبعية. وانظر: السبعة لابن مجاهد ٥٣٢ والإتحاف للبناء ٣٦، والكشاف لمكي ٢/٢٠٩ والنشر ٢/٣٥١ وتقريبه ١٦٣ وانظر: اللباب ٦/١٥٠ ب ميكروفيلم..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية