( والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور٩ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ١٠ والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير( ( فاطر : ٩-١١ ).
المعنى الجملي : بعد ان ذكر عز اسمه أن الكافرين لهم عذاب شديد يوم القيامة، وأن الذين يعملون الصالحات لهم أجر كبير عند ربهم في ذلك اليوم- أردف ذلك بيان أن هذا اليوم لا ريب فيه، وضرب المثل الذي يدل على تحققه لا محالة، ثم ذكر أن من يريد العزة فليطع الله ورسوله، ولا يتعزز بعبادة الأصنام والأوثان كما أخبر الله عنهم ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا( ( مريم : ٨١ ) وأن العمل الطيب يرفع إلى الله ويحفظ لديه ويجازي عليه، ثم أعقب ذلك بأن من يمكر بالمؤمنين ويريد خداعهم فالله يفسد عليه تدبيره ويجازيه بما عمل شر الجزاء، وبعد أن ذكر دليل البعث بما يشاهده في الآفاق من دلائل القدرة، ذكر دليلا عليه بما يرى في الأنفس من اختلاف أطوارها، فقد كانت ترابا ثم نطفة ثم وضعت في الأرحام إلى أن صارت بشرا سويا، ومنها ما يمد في عمرها، ومنها ما يخترم قبل ذلك، كما تدل عليه المشاهدة، وكل ذلك يسير على الله.
تفسير المفردات :
أزواجا : أي أصنافا ذكرانا وإناثا، يعمر من معمر أي يمد في عمر أحد، في كتاب : أي في صحيفة المرء.
الإيضاح :
ثم ذكر دليلا على صحة البعث بما يرى في الأنفس فقال :
( والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا( أي والله خلق الناس من النطفة، والنطفة من الغذاء، والغذاء ينتهي آخرا إلى الماء والتراب، فهم من تراب صار نطفة، ثم جعلهم أصنافا ذكرانا وإناثا بقدر معلوم بحيث يكاد الفريقان يستويان عددا، ولو لم يكن كذلك لفني الإنسان والحيوان، إذ حفظ النوع لا يتم إلا بتلك المساواة على وجه التقريب، ولا تكون المساواة إلا بتدبير وعلم، وإلى ذلك أشار بقوله :
( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه( أي ولا تحمل الأنثى ولا تضع إلا وهو عليم بذلك لا يخفى عليه، ولو لم يكن كذلك وكانت المصادفة العمياء هي صاحبة السلطان في هذا العالم، لم يتم التوازن في العدد بين الزوجين فيفنى الإنسان والحيوان.
ونحو الآية قوله :( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار٨ عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال( ( الرعد : ٨-٩ ).
( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب( أي لا أحد يقضى له بطول العمر إلا وهو بالغ ما قدر له، لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، ولا أحد مقدر له قصر العمر بزائد على ما قدر له في الكتاب الذي كتب له، وذلك لحفظ الموازين في الأرض حتى ينتظم العمران، ولو لم يكن على هذا النحو لاختلط الحابل بالنابل، وساء حال الكون، إذ يكثر الناس وتزدحم الأرض ويشتد الكرب، ومن ثم تفاوتت الأعمار في جميع الأمصار وكانت بمقدار، واعتدل النظام بالمرض والموت، والوباء والحرب.
( إن ذلك على الله يسير( أي إن ذلك النظام البديع للعالم- هين على الله لعلمه الشامل، وعدم خفاء شيء عليه.
تفسير المراغي
المراغي