ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝ

الشيطان عمله السيء فأطاعه، وبين من هداه الله للخير، فاتّبع أوامر الله تعالى.
والفريق الأول يشمل كل الكفار من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان والأصنام والشيطان ونحو ذلك.
٦- إن الإضلال والهداية من الله بحسب ماله من العلم التامّ المسبق بكل إنسان، وما لديه من استعداد للشّرّ أو للخير.
٧- لا داعي للأسف والاغتمام على إصرار الكفار على كفرهم، ولا ينفع التأسف على مقامهم على كفرهم، فإن الله عليم بصنعهم القبائح، وسيجازيهم على أفعالهم.
من دلائل القدرة الإلهية لإثبات البعث
[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٩ الى ١١]
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)
الإعراب:
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ الهاء تعود على الكلم، أي والعمل الصالح يرفع الكلم، وقيل:
تعود على العمل، أي والعمل الصالح يرفعه الله، ولو صح هذا القول لكان يلزم نصب كلمة الْعَمَلُ.

صفحة رقم 233

وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ السَّيِّئاتِ: إما مفعول يَمْكُرُونَ بمعنى يعملون، أو منصوب على المصدر لأن معنى يَمْكُرُونَ: يسيئون، أو وصف لمصدر محذوف، أي يمكرون المكرات السيئات، ثم حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ مَكْرُ مبتدأ وخبره يَبُورُ وهو: فصل بين المبتدأ والخبر، ويجوز الفصل إذا كان الفعل مضارعا.
البلاغة:
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ، فَتُثِيرُ سَحاباً، فَسُقْناهُ سقناه: التفات من الغيبة إلى التكلم للإشعار بالعظمة.
تَحْمِلُ وتَضَعُ بينهما طباق، وكذا بين يُعَمَّرُ ويُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ.
المفردات اللغوية:
أَرْسَلَ أطلق وأوجد من العدم. فَتُثِيرُ سَحاباً تزعجه وتحركه، وأتى بالمضارع حكاية للحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة. إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ بالتخفيف، أو ميّت بالتشديد: لا نبات فيه، ويرى بعضهم: أن الميت بالتخفيف: هو الذي مات، والميّت بالتشديد، والمائت: هو الذي لم يمت بعد. بَعْدَ مَوْتِها يبسها، وأحيينا به الأرض: معناه أنبتنا بالمطر الزرع والكلأ. كَذلِكَ النُّشُورُ أي كذلك يحيى الله العباد بعد موتهم، كما أحيا الأرض بعد موتها. والنُّشُورُ البعث والإحياء، يقال: نشر الله الميت وأنشره، أي أحياه.
الْعِزَّةَ الشرف والجاه والمنعة. فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً أي فليطلبها من عند الله، فإن له كل العزة في الدنيا والآخرة، ولا تنال منه العزة إلا بطاعته، فليطعه. إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ مجاز يراد به قبول الله له، أو علمه به، والْكَلِمُ الطَّيِّبُ هو التوحيد (لا إله إلا الله) وكل كلام طيب من ذكر الله، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتلاوة قرآن ودعاء وغير ذلك. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أي والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، كما لا يقبل الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح. والْعَمَلُ الصَّالِحُ ما كان بإخلاص، ويَرْفَعُهُ يقبله. وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ أي الذين يعملون السيئات في الدنيا على وجه المكر والخديعة، كالمكر بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه، كما ذكر في الأنفال، أو مراءاة المؤمنين في أعمالهم بإيهامهم أنهم مطيعون لله. يَبُورُ يبطل ويفسد ولا ينفذ، من البوار: الهلاك.
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أي خلق أباكم آدم من تراب. نُطْفَةٍ مني يخلق ذريته منه. ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً ذكرانا وإناثا. إِلَّا بِعِلْمِهِ أي لا يخرج شيء عن علمه وتدبيره، وهو حال، أي

صفحة رقم 234

معلومة له. وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي لا يزاد ولا يطول من عمر أحد، ولا ينقص من عمر معمر آخر، وذلك بحسب العرف والعادة الشائعة بين الناس. إِلَّا فِي كِتابٍ أي في صحيفة المرء في اللوح المحفوظ، وتطويل العمر وتقصيره: هما بقضاء الله وقدره، لأسباب تقتضي التطويل أو التقصير، فمن أسباب التطويل: صلة الرحم، ومن أسباب التقصير: الاستكثار من معاصي الله عز وجل. إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي لا يصعب عليه منه شيء.
المناسبة:
بعد الإخبار عن عذاب الكفار الشديد، والمغفرة والأجر الكبير للمؤمنين يوم القيامة، أقام تعالى الدليل على البعث بإحياء الأرض بعد موتها، وبخلق الإنسان ومروره في أطوار مختلفة من التراب، فالنطفة، فالبشر السوي، فالمدّ في العمر أو تقصيره.
التفسير والبيان:
كثيرا ما يستدل الله تعالى على المعاد أو البعث بإحياء الأرض بعد موتها، كما في أول سورة الحج مثلا، وقال هنا:
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً، فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ، فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، كَذلِكَ النُّشُورُ أي والدليل الحسي المشاهد على إمكان البعث وأنه مقدور لله تعالى: أنه سبحانه يرسل الرياح، فتحرك الغيوم إلى حيث يشاء الله، فيقوده إلى بلد ميت لا نبات به، فينزل المطر عليه، فتحيا الأرض بالنبات بعد يبسها، وتصبح مخضرة ذات زرع وشجر، بعد أن كانت تربة هامدة، فكذلك يكون النشور أي كما يحيي الله الأرض بعد موتها، يحيي العباد بعد موتهم، وهذا هو النشور، أي جعلهم أحياء.
جاء في حديث أبي رزين: «قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟
وما آية ذلك في خلقه؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك

صفحة رقم 235

ممحلا، ثم مررت به يهتز خضرا؟! قلت: بلى، قال صلّى الله عليه وسلّم: فكذلك يحيي الله الموتى».
ثم ندد الله تعالى بمشاعر الكفار بالعزة والغطرسة التي حجبتهم عن طاعة الله، فقال:
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً أي من كان يريد الوصول إلى الشرف والتعزز والسمو، فليتعزز بطاعة الله، وليطلبها من الله لا من غيره، فإن الله مصدر العزة، وهو يهب منها لمن يشاء، وهذا ردّ على الكفار الذين كانوا يطلبون العزة بعبادة الأصنام، وعدم الطاعة للرسل، وترك الاتّباع له، فقال:
إن كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في الحقيقة، فهي كلها لله، ومن يتذلل له فهو العزيز، ومن يتعزز عليه، فهو الذليل. وذلك كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون ٦٣/ ٨]. وقد حكى القرآن طلب المشركين العزة بعبادة الأصنام، فقال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم ١٩/ ٨١]. وأما المشركون فكانوا يطلبون العزة عند الكفار فقال تعالى: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ؟! [النساء ٤/ ١٣٩].
ثم وصف الله تعالى بعض مظاهر العزة ردا على الكفار الذين كانوا يقولون:
نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده، فقال:
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أي إن كنتم لا تصلون إلى الله، فهو يسمع كلامكم، ويقبل طيب الكلام، كالتوحيد والأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء، وتلاوة القرآن وغير ذلك. ومن أفضل الأذكار: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وإن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، كما أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع

صفحة رقم 236

العمل الصالح، وصلاح العمل: الإخلاص فيه، فلا يتقبل الله صلاة وصياما وزكاة ونحو ذلك من أعمال البر، إذا لم تكن لله، وفعلت مراءاة للناس.
قال ابن عباس: الكلم الطيب: ذكر الله تعالى، يصعد به إلى الله عز وجل، والعمل الصالح: أداء الفريضة.
ثم أخبر الله تعالى أنه لا يقبل من المرائين أعمالهم، فقال:
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ أي والذين يعملون المكرات السيئات في الدنيا، كالتآمر على قتل النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو لإضعاف المسلمين، ويوهمون غيرهم أنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله عز وجل، يراءون بأعمالهم، لهم عقاب بالغ الغاية في الشدة.
ومكر هؤلاء الكاذبين المفسدين يفسد ويبطل ولا ينفذ لأن الأمور مقدرة، لا تتغير بالمكر والحيلة، ولأن المرائي ينكشف أمره بسرعة، ولا يروج أمره ويستمر إلا على غني، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية، يجازي على الرياء أشد العذاب.
ثم ذكر الله تعالى دليلا آخر على إمكان البعث بخلق الأنفس فقال:
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً أي والله سبحانه ابتدأ خلق الإنسان من تراب، فخلق أبانا آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، فجعل الخلق المتوالي الدائم من النطفة (المني) والنطفة من الغذاء، والغذاء من الماء والتراب، فقد صير التراب نطفة، ثم جعل الناس أصنافا، ذكرانا وإناثا، فهذا التحول من تراب إلى خلية حية، إلى إنسان سوي دليل قاطع على إمكان البعث الذي هو إعادة الحياة مرة أخرى، والإعادة في مفهوم الناس أهون من الإعادة، أما عند الله فهما سواء.

صفحة رقم 237

هذا دليل القدرة، أعقبه تعالى بالدليل على كمال العلم فقال:
وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ أي إن الله عالم بحمل أي أنثى في العالم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما أنه عالم بوقت الوضع ومكانه وكيفيته، كما قال: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ [الرعد ١٣/ ٨- ٩].
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ سماه معمّرا بما هو صائر إليه، أي ما يمدّ في عمر أحد، وما ينقص من عمر آخر إلا في صحيفة كل إنسان في اللوح المحفوظ، لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، سواء أكان من أصحاب الأعمار الطويلة أم القصيرة الأجل، فتطويل العمر وتقصيره هما بقضاء الله وقدره، لأسباب مسبقة يعلمها الله، فمن أطال عمره فلأنه يفعل ما يقتضي التطويل، كصلة الرحم، ومن قصر عمره فلأنه يفعل ما يقتضي التقصير، كالإكثار من معاصي الله.
روى البخاري ومسلم وأبو داود عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره «١»، فليصل رحمه».
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي إن ذلك النظام المرتب للعالم سهل يسير على الله، لديه علمه جملة وتفصيلا، فإن علمه شامل لجميع المخلوقات، لا يخفى عليه شيء منها.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يلي:

(١) أي يؤخر له في أجله.

صفحة رقم 238

١- إمكان حدوث البعث لأن الله قادر على كل شيء، ومن مظاهر قدرته الدالة على ذلك بنحو حسي مباشر: إحياء الأرض بالمطر بعد يبسها وذهاب ما فيها من زروع ونباتات، واكتسائها بالخضرة والمروج، والنبات، والثمار المختلفة الألوان والأنواع والطعوم.
فكما حدث من تبدل من موت إلى حياة كذلك يحدث إحياء المخلوقات، فمثل إحياء الأرض الموات نشر الأموات، وإعادة الحياة لهم بعد الموت.
٢- إن الاعتزاز بالكفر والمال والأولاد والجاه والسمعة والنفوذ سراب خادع، فإن من كان يريد العزة التي لا ذلة فيها في الدنيا والآخرة، فعليه بطاعة الله عز وجل وعبادته وحده دون شريك لأن الله تعالى مصدر العزة، وهو سبحانه يعز من يشاء في الدنيا والآخرة، ويذلّ من يشاء،
قال صلّى الله عليه وسلّم مفسّرا لقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً: «من أراد عزّ الدارين، فليطع العزيز».
وعليه، من كان يريد العزة لينال الفوز الأكبر، ويدخل في دار العزة- ولله العزة- فليقصد بالعزة الله سبحانه والاعتزاز به، فإنه من اعتز بالعبد أذله الله، ومن اعتز بالله أعزه الله.
٣- الكلم الطيب من توحيد الله وذكره ودعائه وتلاوة كتابه ونحو ذلك هو الذي يقبله الله عز وجل، والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب كما قال ابن عباس وغيره، كما أن الكلم الطيب لا يقبل إلا مع العمل الصالح. وصلاح العمل:
الإخلاص فيه،
جاء في الحديث: «لا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة» «١».

(١)
رواه الطبراني عن ابن عمر بلفظ: «لا يقبل إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان».

صفحة رقم 239

وردّ على ابن عباس قوله بتعارضه مع معتقد أهل السنة، وأن ذلك لا يصح عنه. قال القرطبي: والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله، وقال كلاما طيبا، فإنه مكتوب له متقبّل منه، وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك. وأيضا فإن الكلام الطيب عمل صالح، وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأوّل أنه يزيد في رفعه، وحسن موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك، إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر الله تعالى، كانت الأعمال أشرف فيكون قوله: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ موعظة وتذكرة وحضّا على الأعمال. وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها، كالتوحيد والتسبيح فمقبولة «١».
٤- إن الذين يراءون في أعمالهم، ويعملون المكرات السيئات في الدنيا، لهم عذاب شديد في نار جهنم، ومكرهم بائد غير نافذ. والمكر: ما عمل على سبيل احتيال وخديعة.
٥- الدليل الاخر على إمكان البعث أحوال نفوس البشر وأطوارها، فقد خلق الله تعالى أصلها من تراب، ثم جعل النطفة سببا للخلق، ثم حدث التزاوج بين الذكر والأنثى، ليتم البقاء في الدنيا إلى نهاية العالم، عن طريق التناسل، فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به، ولا يخرج شيء عن تدبيره.
٦- الأعمار كالأرزاق مقدرة محددة في صحيفة كل إنسان، لا تزيد ولا تنقص، وأما طول العمر بأسباب، كصلة الرحم، فهو داخل في تقدير العمر بصفة نهائية في علم الله، إذ إنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة، فإن وصل رحمه، زيد في عمره كذا سنة، وفي موضع آخر من اللوح المحفوظ بيّن: إنه سيصل رحمه، فمن اطلع على الأول دون الثاني، ظن أنه زيادة أو نقصان.

(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٣٠

صفحة رقم 240

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية