ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝ

ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر على البعث والنشور، فقال : والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ أي خلقكم ابتداء في ضمن خلق أبيكم آدم من تراب. وقال قتادة : يعني آدم، والتقدير على هذا : خلق أباكم الأوّل، وأصلكم الذي ترجعون إليه من تراب ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ أخرجها من ظهر آبائكم ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا أي زوّج بعضكم ببعض، فالذكر زوج الأنثى، أو جعلكم أصنافاً ذكراناً وإناثاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ أي لا يكون حمل، ولا وضع إلاّ والله عالم به، فلا يخرج شيء عن علمه وتدبيره وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ في كتاب أي ما يطول عمر أحد، ولا ينقص من عمره إلاّ في كتاب، أي في اللوح المحفوظ.
قال الفرّاء : يريد آخر غير الأوّل، فكنى عنه بالضمير كأنه الأوّل : لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأوّل كأنه قال : ولا ينقص من عمر معمر، فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأوّل، ومثله قولك : عندي درهم ونصفه، أي نصف آخر. قيل : إنما سمي معمراً باعتبار مصيره إليه. والمعنى : وما يمدّ في عمر أحد، ولا ينقص من عمر أحد، لكن لا على معنى : لا ينقص من عمره بعد كونه زائداً، بل على معنى : أنه لا يجعل من الابتداء ناقصاً إلاّ وهو في كتاب. قال سعيد بن جبير : وما يعمر من معمر إلاّ كتب عمره : كم هو سنة، كم هو شهراً، كم هو يوماً، كم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره ساعة، نقص من عمره يوم، نقص من عمره شهر، نقص من عمره سنة حتى يستوفي أجله، فما مضى من أجله، فهو النقصان، وما يستقبل، فهو الذي يعمره. وقال قتادة : المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. وقيل المعنى : إن الله كتب عمر الإنسان كذا إن أطاع، ودونه إن عصى، فأيهما بلغ، فهو في كتاب، والضمير على هذا يرجع إلى معمر. وقيل المعنى : وما يعمر من معمر إلى الهرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلاّ في كتاب، أي بقضاء الله قاله الضحاك، واختاره النحاس. قال : وهو أشبهها بظاهر التنزيل، والأولى أن يقال : ظاهر النظم القرآني أن تطويل العمر وتقصيره : هما بقضاء الله وقدره لأسباب تقتضي التطويل، وأسباب تقتضي التقصير.
فمن أسباب التطويل : ما ورد في صلة الرّحم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك. ومن أسباب التقصير الاستكثار من معاصي الله عزّ وجلّ، فإذا كان العمر المضروب للرجل مثلاً سبعين سنة، فقد يزيد الله له عليها إذا فعل أسباب الزيادة، وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان، والكلّ في كتاب مبين، فلا تخالف بين هذه الآية، وبين قوله سبحانه : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : ٣٤ ]، ويؤيد هذا قوله سبحانه : يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب [ الرعد : ٣٩ ]، وقد قدّمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحاً وبياناً. قرأ الجمهور ينقص مبنياً للمفعول. وقرأ يعقوب، وسلام، وروي عن أبي عمرو ( ينقص ) مبنياً للفاعل. وقرأ الجمهور من عمره بضمّ الميم. وقرأ الحسن والأعرج والزهري بسكونها، والإشارة بقوله : إِنَّ ذلك إلى ما سبق من الخلق وما بعده عَلَى الله يَسِيرٌ لا يصعب عليه منه شيء، ولا يعزب عنه كثير ولا قليل، ولا كبير ولا صغير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق لله في السماوات والأرض إلاّ من شاء الله إلاّ مات، ثم يرسل الله من تحت العرش منياً كمني الرجال، فتنبت أجسامهم ولحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله الله الذى أَرْسَلَ الرياح الآية. وأخرج أبو داود، والطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي رزين العقيلي قال :«قلت : يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى ؟ قال :«أما مررت بأرض مجدبة، ثم مررت بها مخصبة تهتزّ خضراء ؟ قلت : بلى، قال : كذلك يحيي الله الموتى، وكذلك النشور» وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال : إذا حدّثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم إذا قال : سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، وتبارك الله، قبض عليهنّ ملك يضمهنّ تحت جناحه، ثم يصعد بهنّ إلى السماء، فلا يمرّ بهنّ على جمع من الملائكة إلاّ استغفر لقائلهنّ حتى يجيء بهنّ وجه الرحمن، ثم قرأ : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ قال : أداء الفرائض، فمن ذكر الله في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله، فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤدّ فرائضه ردّ كلامه على عمله، وكان عمله أولى به.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ الآية قال : يقول ليس أحد قضيت له طول العمر، والحياة إلاّ وهو بالغ ما قدّرت له من العمر وقد قضيت له ذلك، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له، فذلك قوله : وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ في كتاب يقول : كل ذلك في كتاب عنده. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو عوانة، وابن حبان، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقرّ في الرحم بأربعين، أو بخمسة وأربعين ليلة، فيقول : أيّ ربّ أشقي أم سعيد ؟ أذكر أم أنثى ؟ فيقول الله ويكتبان، ثم يكتب عمله، ورزقه، وأجله، وأثره، ومصيبته، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص». وأخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، والنسائي، وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال : قالت أمّ حبيبة : اللهمّ أمتعني بزوجي النبيّ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«إنك سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل الله شيئاً قبل حله، أو يؤخر شيئاً، ولو كنت سألت الله : أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر كان خيراً وأفضل» وهذه الأحاديث مخصصة بما ورد من قبول الدعاء، وأنه يعتلج هو والقضاء، وبما ورد في صلة الرحم أنها تزيد في العمر، فلا معارضة بين الأدلة كما قدّمنا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ قال : القطمير القشر، وفي لفظ : الجلد الذي يكون على ظهر النواة.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية