ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

ثم ذكر دليلا آخر، فقال :
يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ .
يقول الحق جلّ جلاله : يُولج الليلَ في النهار ويُولج النهارَ في الليل أي : يُدخل من ساعات أحدهما في الآخر، حتى يصير الزائدُ منهما خمس عشرة ساعة، والناقص تسعاً. وسخَّر الشمسَ والقمرَ ذللها لِمَا يُراد منهما، كُلٌّ يجري لأجلٍ مسمى أي : يوم القيامة، فينقطع جريهما، ذلكم اللهُ ربكم الإشارة إلى فاعل هذه الأشياء، وهي : مبتدأ، و " الله " وما بعده : أخبار، له الملكُ له التصرف التام. والذين تَدْعُون من دونه من الأصنام، أي : تعبدونهم، ما يملكون من قِطْمِير وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة، كما أن النقير : النقطة في ظهره. وهما كنايتان عن حقارة الشيء وتصغيره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال الشيخ : أبو العباس المرسي رضي الله عنه : يُولج الليل في النهار، ويولج النهارَ في الليل. يُولج المعصية في الطاعة، ويُولج الطاعة في المعصية. يعمل العبد الطاعة فيُعجب بها، ويعتمد عليها، ويستصغر مَن لم يفعلها، ويطلب من الله العوض عليها، فهذه حسنات أحاطت بها سيئات. ويُذنب العبدُ الذنبَ، فيلتجئ إلى الله فيه، ويعتذر منه، ويستصغر نفسه، ويُعظم مَن لم يفعله، فهذه سيئة أحاطت بها حسنات، فأيتهما الطاعة، وأيتهما المعصية ؟ هـ. أو : يولج ليلَ القبض في نهار البسط، وبالعكس، أو : يولج ليلَ الحجبة في نهار الكشف، ونهارَ الكشف في ليل القطيعة، يتواردان إلى حال طلوع شمس العرفان، فلا غروب لها، كما قال الشاعر١ :

طلعت شمسُ من أُحب بليلٍ واستنارت فما تلاها غروب
إنَّ شمسَ النهارِ تَغْربُ بالليـ ـل وشمس القلوبِ ليستْ تغيبُ
قال القشيري : يُولج الليل في النهار، تغلب النَّفسُ مرةً على القلب، وبالعكس، وكذلك القبضُ والبسط، فقد يستويان، وقد يغلب أحدُهما، وكذلك الصحو والسُكْرُ، والفناء والبقاء، وآثار شموس التوحيد، وأقمار المعرفة على ما يريد من إظهارها على القلوب. فهذه كلها يولج أحدها في الآخر. ولا يعرف هذا إلا مَن تحقق بفقره إلى الله تعالى، كما قال : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ .

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير