يُولِجُ اليل في النهار وَيُولِجُ النهار في اليل أي يضيف بعض أجزائهما إلى بعض، فيزيد في أحدهما، بالنقص في الآخر، وقد تقدّم تفسيره في آل عمران، وفي مواضع من الكتاب العزيز وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى قدّره الله لجريانهما، وهو يوم القيامة. وقيل : هو المدّة التي يقطعان في مثلها الفلك، وهو سنة للشمس، وشهر للقمر. وقيل : المراد به جري الشمس في اليوم، والقمر في الليلة. وقد تقدّم تفسير هذا مستوفى في سورة لقمان، والإشارة بقوله : ذلكم إلى الفاعل لهذه الأفعال، وهو الله سبحانه، واسم الإشارة مبتدأ وخبره الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك أي هذا الذي من صنعته ما تقدّم : هو الخالق المقدّر، والقادر المقتدر المالك للعالم، والمتصرّف فيه، ويجوز أن يكون قوله : له الملك جملة مستقلة في مقابلة قوله : والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ أي لا يقدرون عليه، ولا على خلقه، والقطمير : القشرة الرّقيقة التي تكون بين التمرة والنواة، وتصير على النواة كاللفافة لها.
وقال المبرّد : هو شقّ النواة. وقال قتادة : هو القمع الذي على رأس النواة. قال الجوهري : ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ الآية قال : يقول ليس أحد قضيت له طول العمر، والحياة إلاّ وهو بالغ ما قدّرت له من العمر وقد قضيت له ذلك، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له، فذلك قوله : وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ في كتاب يقول : كل ذلك في كتاب عنده. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو عوانة، وابن حبان، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقرّ في الرحم بأربعين، أو بخمسة وأربعين ليلة، فيقول : أيّ ربّ أشقي أم سعيد ؟ أذكر أم أنثى ؟ فيقول الله ويكتبان، ثم يكتب عمله، ورزقه، وأجله، وأثره، ومصيبته، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها، ولا ينقص». وأخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، والنسائي، وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال : قالت أمّ حبيبة : اللهمّ أمتعني بزوجي النبيّ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«إنك سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل الله شيئاً قبل حله، أو يؤخر شيئاً، ولو كنت سألت الله : أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر كان خيراً وأفضل» وهذه الأحاديث مخصصة بما ورد من قبول الدعاء، وأنه يعتلج هو والقضاء، وبما ورد في صلة الرحم أنها تزيد في العمر، فلا معارضة بين الأدلة كما قدّمنا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ قال : القطمير القشر، وفي لفظ : الجلد الذي يكون على ظهر النواة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني