ثم ذكرالحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الإنسان فقال :«ومن الناس » ثم ذكر الدواب، لأن منافعها في حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها أو لأن الدابة١ في العرف تُطْلَقُ٢ على الفَرَس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره. وقوله :«مختلف ألوانه » القول فيه كما تقدم أنها في أنفسها دلائل كذلك باختلافها دلائل. وقوله :«مختلف ألوانه » مذكراً ؛ لكون الإنسان٣ من جملة المذكور فكان التذكير أولى٤.
قوله : كَذَلِكَ فيه وجهان :
أظهرهما : أنه متعلق بما قبله أي مُخْتَلِفٌ اخْتِلاَفاً مِثْلَ٥ الاختلاف في الثَّمرات والجُدَد والوقف على «كَذَلِكَ »٦.
والثاني : أنه متعلق بما بعده والمعنى مثل ذلك المطر والاعتبار بمَخْلُوقات٧ الله واختلاف ألوانها يخشى اللَّهَ العلماءُ. وإلى هذا نحا ابنُ عَطِيَّةَ٨. وهو فاسد من حيث إن ما بعد «إنَّمَا » مانع من العمل فيها قبلها٩ وقد نَصَّ أبو عمرو الدَّانِيُّ١٠ على أن الوقف على «كذلك » تام. ولم يحك فيه خِلاَفاً١١.
قوله : إِنَّمَا يَخْشَى الله العامة على نصب الجلالهِ ورفع «العلماء » وهي واضحة. وقرأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزَ وأَبُو حَنِيفَةَ - فيما نقله الزمخشريّ١٢ - وأبو حيوة - فيما نقله الهذلي١٣ في كامله - بالعكس. وتُؤُوِّلَتْ على معنى التعظيم أي إنما يعظم اللَّهُ من عباده العلماء وهذه القراءة شبيهة بقراءة :«وإذا ابْتَلَى إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ » برفع إبْرَاهِيمَ ونصب «رَبَّهُ »١٤.
فصل
قال ابن عباس١٥ : إنما يخافُني مِنْ خَلْقي من عَلِمَ جَبَرُوتِي وعِزَّتِي وسُلْطَاني. واعلم أنَّ الخشيبة بقدرمعرفة المخشي والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه. وهذا دليل على أنَّ العالمَ أعلى درجةً من العابد ؛ لقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ [ الحجرات : ١٣ ] بين أن الكرامة بقدر التقوى والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل قال - عليه ( الصلاة و ) السلام- :«وَاللَّهِ إنِّي لأَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً »١٦ وقال - عليه ( الصلاة١٧ و ) السلام- :«لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً »١٨ وقال مسروق : كفى بخشية عِلماً وكفى بالاغترار١٩ بالله جهلاً. ثم قال : إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ أي عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده فذكر ما يوجب الخوف والرجاء فكونه عزيزاً يوجب الخوف٢٠ التام وكونه غفورا لما دون ذلك يوجب٢١ الرجاء البالغ. وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع الجلالة تقدَّم معناه.
٢ في ((ب)) يطلق..
٣ في ((ب)) اللون خطأ وفي الفخر: فذكر الكون..
٤ انظر: الرازي ٢٦/٢٠..
٥ قاله الزمخشري في الكشاف ٣/٣٠٧ والنحاس في الإعراب ٤/٣٧١ ومكي في المشكل ٢/٢١٧ وأبو البقاء في التبيان ١٠٧٥ وأبو حيان في البحر ٧/٣١٢..
٦ حسن. قال بذلك أبو حيان في السابق..
٧ في ((ب)) في مخلوقات الله..
٨ البحر المحيط ٧/٣١٢..
٩ قاله أبو حيان في المرجع السابق والسمين في الدر ٤/٤٨١..
١٠ عثمان بن سعيد بن عثمان أبو عمر الداني الأموي مولاهم القرطبي المعروف في زمانه بابن الصيرفي الإمام الحافظ أستاذ وشيخ مشايخ المقرئين. أخذ القراءة عن خلف بن إبراهيم وغيره وقرأ عليه إسحاق بن إبراهيم الفيسوني وغيره له مؤلفات ضخمة ونافعة مات سنة ٤٤٤ هـ الغاية ١/٥٠٣ – ٥٠٥..
١١ انظر: المكتفى في الوقف والابتداء ٢٦٦ وقال القرطبي ((كذلك)) هنا تمام الكلام أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية ثم استأنف فقال: ((إنما يخشى الله من عباده العلماء))..
١٢ نقله في الكشاف ٣/٣٠٨ وقد نقلها القرطبي أيضا في الجامع ١٤/٣٤٤..
١٣ الهذلي: يوسف بن علي بن جبارة أبو القاسم الهذلي اليشكري الأستاذ الكبير والرحال والعلم الشهير أخذ عن أناس كثيرين وكتابه الكامل مشهور مات سنة ٤٦٥ هـ. الغاية ٢/٣٩٧ : ٤٠١..
١٤ وقد اعترض على هذه القراءة أبو حيان في البحر ٧/٣١٢ بأنها في غاية الشذوذ وانظر: القرطبي ١٤/٣٤٤ والآية ١٢٤ من البقرة..
١٥ البغوي ٥/٣٠١..
١٦ الحديث رواه الإمام البخاري عن عائشة ١/١٢ و ١٣ وانظر: البغوي ٥/٣٠١..
١٧ زيادة من ((ب))..
١٨ المرجع الأخير وانظر: الموطأ الكسوف رقم ١ ومسند الإمام أحمد ٢/٢٥٧ و ٣١٢ و ٣١٨ و ٤٣٢ و ٤٥٣ و ٤٦٧ و ٤٧٧ و ٥٠٢..
١٩ في ((ب)) بالإغرار تحريف وانظر: البغوي المرجع السابق..
٢٠ في ((ب)) :((موجب)) بالاسمية..
٢١ في ((ب)) :((موجب)) بالاسمية..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود