ومن الناس عطف على من الجبال والدواب والأنعام مختلف ألوانه ذكر الضمير لأجل من وقيل تقديره ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه كذلك صفة لمصدر محذوف أي اختلافا مثل اختلاف الثمار والجبال.
ولما قال : ألم تر أن الله أنزل من السماء إلى آخره ذكر أنواع المخلوقات المختلفة والأجناس والأنواع الدالة على صانعها وصفاته أتبعه بقوله إنما يخشى الله من عباده العلماء يعني الذين تفكروا في خلق الله واستدلوا به على ذاته وصفاته وأفعاله وآلائه بخلاف الجهال ككفار مكة والذين تجاهلوا ولم يخلص علومهم إلى قلوبهم وأنفسهم كأحبار اليهود والنصارى، قال الشيخ العارف الأجل شهاب الدين السهروردي في هذه الآية تعريض إلى أنه من لا خشية له فهو ليس بعالم.
قلت : فإن معرفة المخشي بعظمته وجلاله والعلم بصفات كماله يستلزم الخشية وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، قال البغوي قال ابن عباس يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزني وسلطاني فكل من كان أعلم بالله وصفاته كان أخشى منه، روى الشيخان في الصحيحين عن عائشة قالت : صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :" ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية " ١ وروى الدارمي عن مكحول مرسلا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم تلا هذه الآية إنما يخشى الله من عباده العلماء ".
وروى البخاري في الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا " ٢ فكمال الخشية للأنبياء ثم للأولياء وهم علماء الحقيقة ثم الأمثل فالأمثل قال مسروق : كفي بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا، قال الشعبي العالم من يخشى الله إن الله عزيز غفور تعليل لوجوب الخشية لدلالة على أنه عزيز في ملكه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب من عصيانه.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق: باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" ٦٤٨٥.
.
التفسير المظهري
المظهري