ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

قوله : وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ يستغيثون ويصيحون » فِيهَا «وهو يَفْتَعِلُون من الصَّراخ وهو الصِّياح. وأبدلت الفاء صاداً لوقوعها قبل الطاء، » يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرجْنَا مِنْهَا «من النار فقوله :» ربنا «على إضمار القول وذلك القول إن شئت قدرته فعلاً مفسراً ليَصْطَرِخُونَ أي يقولون في صراخهم كما تقدم وإن شئت قدرته حالاً من فاعل » يصطرخون «أي قَائِلينَ ربَّنا١.
قوله : صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَل يجوز أن يكونا نَعْتَيْ٢ مصدر محذوف أي عملاً صالحاً غير الذي كنا نعمل وأن يكونا نعتي٣ مفعول به محذوف أي نعمل شيئاً صالحاً غير الذي كنا نعمل وأن يكون » صالحاً «نعتاً لمصدر و » غيرالذي كنا نعمل «هو المفعول به. وقال الزمخشريُّ : فإن قلت : فهلا اكتفي بصالِحاً كما اكتفي به في قوله : فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً ؟ وما فائدة زيادة غير الذي كنا نعمل ؟ على أنه يوهم أنهم يعملون صالحاً آخر غير الصالح الذي عملوه ؟ قلتُ : فائدته زيادة التحسرّ على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : ١٠٤ ] فقالوا : أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِجاً غَيْرَ الِّذي كُنَا نَحْسَبُهُ صَالِحاً فنعمله٤.
قوله :» أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ «( أي فيقول٥ لهم توبيخاً : أو لم نعمركم أي عَمَّرْنَاكُمْ مِقْداراً يمكن التذكرُ فيه.
قوله : مَّا يَتَذَكَّرُ جوزوا في » ما «هذه وجهين :
أحدهما : ولم يحك أبو حيان غيره- : أنها مصدرية٦ ظرفية قال : أي مُدَّةَ تَذَكُّر، وهذه غلط لأن الضمير ( في )٧ ( فيه ) يمنع ذلك لعوده على » ما «ولم يَقُلْ باسمية ما المصدرية إلا الأخْفَشُ وابنُ السِّرِّاجِ٨.
والثاني : أنها نكرة موصوفة أي تَعَمُّراً يُتّذَكَّرُ٩ فيه أو زماناً يُتَذَكَّرُ فيه. وقرأ الأعمش ما يذَّكَّرُ بالإدغام من «اذَّكَّر »١٠ قال أبو حيان : بالإدغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً بها في الدَّرج١١ وهذا غريب حيث أثبت همزة الوصل مع الاستغناء عنها إلاَّ أَنْ يكون حافَظَ على١٢ سكون «من » وبيَان ما بعدها.

فصل


معنى قوله : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ قيل : هو البلوغ. وقال قتادة وعطاء والكلبي : ثماني عشرة سنة وقال الحسن : أربعون سنة. وقال ابن عباس : ستون سنة. رُويَ ذلك عن عَلِيِّ وهو العمر الذي أَعْذَرَ الله إلى ابن آدم١٣. قال - عليه ( الصلاة و ) السلام- :«أعْذَرَ اللَّهُ إلَى آدَم امْرىءٍ أخَّر أَجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً »١٤ وقال عليه ( الصَّلاَةُ و ) السلام- :«أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوز ذَلِكَ »١٥.
قوله : وَجَآءَكُمُ عطف على «أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ » ؛ لأنه في معنى١٦ قَدْ عَمَّرناكُمْ كقوله : أَلَمْ نُرَبِّكَ [ الشعراء : ١٨ ] ثم قال : وَلَبِثْتَ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ [ الشرح : ١ ] ثم قال : وَوَضَعْنَا [ الشرح : ٢ ] إذْ هما في معنى رَبَّيْنَاك وشَرَحْنا، والمراد بالنَّذير محمد - صلى الله عليه وسلم - في قول أكثر المفسرين. وقيل : القرآن. وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع : هو الشيب١٧ والمعنى أو لم نعمركم حتى شِبْتُم. ويقال : الشَّيْبُ نذير الموت. وفي الأثر : مَا مِنْ شَعْرَةٍ تَبْيَضُّ إلاَّ قَالَتْ لأُخْتِهَا : اسْتَعِدِّ ] فَقَدْ قَرُبَ الْمَوتُ١٨ وقرئ : النّذُر جمعاً١٩.
قوله : فَذُوقُواْ أمر إهانة «فَمَا » لِلظّالِمينَ «الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها. » مِنْ نَصيرٍ «في وقت الحاجة ينصرهم، و » من نصير «يجوز أن يكون فاعلاً بالجار لاعتماده وأن يكون مبتدأ مخبراً عنه بالجار قبله٢٠.
١ انظر: البحر المحيط ٧/٣١٦..
٢ في النسختين بمعنى خطأ. والتصحيح ما أثبت أعلى حيث إن المعنى والقاعدة تؤيدان أن ما ذهبت إليه. وقد ذكر كل هذه الأوجه أبو البقاء في التبيان ١٠٧٦ والسمين في الدر ٤/٤٨٥..
٣ في النسختين بمعنى خطأ. والتصحيح ما أثبت أعلى حيث إن المعنى والقاعدة تؤيدان أن ما ذهبت إليه. وقد ذكر كل هذه الأوجه أبو البقاء في التبيان ١٠٧٦ والسمين في الدر ٤/٤٨٥..
٤ المرجع السابق..
٥ ما بين القوسين كله ساقط من ((ب))..
٦ البحر ٧/٣١٦ وكما ذكر هذا الوجه أيضا أبو حيان في البحر ذكره أبو البقاء في التبيان ١٠٧٦..
٧ سقط من ((ب))..
٨ وقال بذلك المصدر أبو عبيدة في المجاز وهو قبل الأخفش وفاة فقد قال في كتابه مجاز القرآن: ((ومجاز ((ما)) هاهنا مجاز المصدر أو لم نعمركم عمرا يتذكر فيه)) المجاز ٢/١٥٦..
٩ قال بذلك الوجه أبو البقاء في التبيان ١٠٧٥ وانظر: الدر المصون ٤/٤٨٥..
١٠ ذكرها أبو حيان ٧/٣١٦ والسمين في الدر ٤/٤٨٥ وفي مختصر ابن خالويه ١٢٤ وانظر أيضا الزمخشري في كشافه ٣/٣١١ موافقا لما ذكر أعلى وهي من الشواذ..
١١ البحر ٧/٣١٦..
١٢ نقله السمين في الدر ٤/٤٨٦..
١٣ وانظر هذه الأقوال في القرطبي ١٤/٣٥٣ وزاد المسير ٦/٤٩٤..
١٤ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ٤/١١٦..
١٥ أخرجه البغوي في معالم التنزيل عن أبي هريرة ٥/٣٠٥..
١٦ قاله شهاب الدين السمين في الدر ٤/٤٨٦ والزمخشري في الكشاف ٣/٣١١ وأبو حيان في البحر ٧/٣١٦..
١٧ انظر في هذا القرطبي ١٤/٣٥٣ وزاد المسير ٦/٤٩٤ و ٤٩٥ والبغوي ٥/٣٠٥ ومعاني الفراء ٢/٣٧٠ ومعاني الزجاج ٤/٣٧٢..
١٨ قاله الخازن والبغوي ٥/٣٠٥..
١٩ القرطبي ١٤/٣٥٣ والكشاف ٣/٣١١ بدون نسبة وكذلك فعل أبو حيان في بحره ٧/٣١٦ ونسبها صاحب الشواذ إلى ابن مسعود. انظر الشواذ ١٠٣..
٢٠ نقله في الدر ٤/٤٨٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية