ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا من الصراخ، وهو الصياح، أي وهم يستغيثون في النار رافعين أصواتهم، والصارخ : المستغيث، ومنه قول الشاعر :

كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصارخ له قرع الطنابيب
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ أي وهم فيها يصطرخون يقولون : ربنا إلخ. قال مقاتل : هو أنهم ينادون : ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل من الشرك والمعاصي، فنجعل الإيمان منا بدل ما كنا عليه من الكفر، والطاعة بدل المعصية، وانتصاب صالحاً على أنه صفة لمصدر محذوف، أي عملاً صالحاً، أو صفة لموصوف محذوف، أي نعمل شيئاً صالحاً. قيل : وزيادة قوله : غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ للتحسر على ما عملوه من غير الأعمال الصالحة مع الاعتراف منهم بأن أعمالهم في الدنيا كانت غير صالحة، فأجاب الله سبحانه عليهم بقوله : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ والاستفهام للتقريع، والتوبيخ، والواو للعطف على مقدّر كما في نظائره، وما نكرة موصوفة، أي أو لم نعمّركم عمراً يتمكن من التذكر فيه من تذكر. فقيل : هو ستون سنة. وقيل : أربعون. وقيل : ثماني عشرة سنة. قال بالأوّل جماعة من الصحابة، وبالثاني الحسن، ومسروق، وغيرهما. وبالثالث عطاء، وقتادة. وقرأ الأعمش :" ما يذكر " بالإدغام وَجَاءكُمُ النذير قال الواحدي : قال جمهور المفسرين : هو النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة، وسفيان بن عيينة، ووكيع، والحسن بن الفضل، والفرّاء، وابن جرير هو : الشيب، ويكون معناه على هذا القول : أو لم نعمّركم حتى شبتم. وقيل : هو القرآن، وقيل : الحمى. قال الأزهري : معناه أن الحمى رسول الموت، أي كأنها تشعر بقدومه، وتنذر بمجيئه، والشيب نذير أيضاً، لأنه يأتي في سنّ الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سنّ الصبا الذي هو سنّ اللهو واللعب. وقيل : هو موت الأهل والأقارب.
وقيل : هو كمال العقل. وقيل : البلوغ فَذُوقُواْ فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ أي فذوقوا عذاب جهنم، لأنكم لم تعتبروا، ولم تتعظوا، فما لكم ناصر يمنعكم من عذاب الله، ويحول بينكم وبينه. قال مقاتل، فذوقوا العذاب، فما للمشركين من مانع يمنعهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في السنن عن ابن عباس في قوله : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ قال : ستين سنة.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إذا كان يوم القيامة قيل : أين أبناء الستين ؟ وهو العمر الذي قال الله : أو لم نعمّركم ما يتذكر فيه من تذكر» وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي، وفيه مقال. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أعذر الله إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة» وأخرج عبد بن حميد، والطبراني، والحاكم، وابن مروديه عن سهل بن سعد مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عليّ بن أبي طالب قال : العمر الذي عيرهم الله به ستون سنة. وأخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن المنذر، والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك». قال الترمذي بعد إخراجه : حسن غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، ثم أخرجه في موضع آخر من كتاب الزهد، وقال : هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد روي من غير وجه عنه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال : هو : ستّ وأربعون سنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال : العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم فيه بقوله : أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ أربعون سنة. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر :«قال : وقع في نفس موسى هل ينام الله عزّ وجلّ ؟ فأرسل الله إليه ملكاً، فأرّقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ، فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة، فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان. قال : ضرب الله له مثلاً إن الله تبارك وتعالى لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض». وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن سلام : أن موسى قال : يا جبريل هل ينام ربك ؟ فذكر نحوه. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة، والبيهقي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه : أن موسى، فذكر نحوه. وأخرج الفريابي، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : إنه كاد الجعل ليعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ الآية.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية