أن تزولا : لئلا تزولا وتسقطا.
ولئن زالتا : بمعنى ولو زالتا.
إن أمسكهما : بمعنى لا يمسكهما.
في الآية الأولى أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤال المشركين عما خلقه شركاؤهم من الأرض، وعن أي شيء لهم شركة في السماوات، وعما إذا كان لديهم كتاب منزل من الله فيه دليل على صحة ما هم عليه من دين وعقائد يجعلهم على ثقة وبينة من أمرهم. ثم تنتهي بتقرير أن كل ما هم عليه وكل ما يقوله بعضهم لبعض ليس إلاّ كذبا وخداعا وتغريرا. وهذه النهاية بمثابة جواب على السؤال وبيان حقيقة الأمر في حال المشركين. وأسلوب الآية قوي لاذع في تحدي المشركين وإفحامهم وتسفيههم وتقرير الواقع من أمرهم.
أما الآية الثانية فقد قررت أن الله وحده هو الذي يمسك السماوات والأرض من الزوال والسقوط والفناء، وحينما يريد ذلك لن يستطيع أحد أن يحول دونه. وإنه مع ذلك يحلم على عباده فلا يعجل عليهم بالنقمة رغما عمّا يصدر منهم من موجباتها، وإنه لغفور تتسع مغفرته لذنوبهم إذا ما استغفروه وتابوا إليه. والمتبادر أن الآية الثانية تتمّة للأولى في صدد ما احتوته من تحدّ للمشركين لتوكيد تصرف الله عز وجل المطلق في السماوات والأرض خلقا وإبقاء وزوالا دون ما شريك ولا معارض ولا مانع.
لم يرو المفسرون مناسبة خاصة لهاتين الآيتين اللتين وجه الخطاب في أولاهما إلى المشركين بصيغة الضمير المخاطب ؛ مما يسوغ القول : إن الأمر بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين وتحديهم كان أسلوبيا لحكاية حال المشركين وتوكيد وهن موقفهم، وليس في صدد موقف حجاجي وجاهي كما قد يوهم الضمير المخاطب. وقد تكرر هذا الأسلوب في مواضع كثيرة من القرآن. والجملة التي جاءت بمثابة جواب في الآية الأولى نفسها قد تدل على ذلك. وقد ورد الضمير فيها بصيغة الغائب.
وعلى هذا فإن الآيتين متصلتان بما سبقهما، وبخاصة بالسابقات القريبات التي احتوت وصف سوء مصير الكفار وإنذارهم وما ينالهم من مقت وخسارة من جرّاء كفرهم.
تلقين جملة
إنه كان حليما غفورا في مقامها
ولقد احتوت الفقرة الأخيرة من الآية الثانية تلقينا جليلا فيما انطوى في صفتي الحلم والغفران الربانيتين من المعنى العظيم، وبخاصة في مقام ورودهما على ما شرحناه. ولقد تكرر هذا في مناسبات كثيرة وبأساليب متنوعة منها ما سبق ونبهنا إليه ؛ مما يؤكد ويؤيد ما شرحناه في سياق سورة البروج من أن منح فرصة الصلاح والإصلاح والإنابة إلى الله تعالى للمذنب والمقصر والجاحد بالتوبة من المبادئ المحكمة التي شغلت حيزا مهمّا في التنزيل القرآني والدعوة الإسلامية.
التفسير الحديث
دروزة