قال الفراء: هو الرافع رأسه الغاض بصره.
وقيل: المقمح: الرافع رأسه لمكروه نزل به.
وأراهم علي بن أبي طالب الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألقصهما ورفع رأسه.
(وحكى) الأصمعي: أكْمَحْتَ الدابة إذا أَخَذْتَ لجامها لترفع رأسها/ والكاف بدل من القاف وقالوا: (الكانونين) شَهْرَا قِمَاحٍ لرفع الإبل فيهما رؤوسها عند الماء لبرده.
قوله (تعالى ذكره): وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً إلى قوله قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ قد تقدم ذكر السَّدِّ والسُّدِّ في الكهف، والمعنى: جعلنا من بين أيدي هؤلاء الكفار حاجزاً ومن خلفهم حاجزاً.
فَأغْشَيْنَاهُمْ أي: جعلنا على أعينهم غشاوة.
وروي عن ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر: " فَأَعْشَيْنَاهُمْ "، بالعين غر معجمة من عَشَى العين.
قال الطبري في " سُدّاً ": من فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله كان بالضم.
وقيل: معناه أنهم زين لهم سوء أعمالهم فهم يعمهون فلا يبصرون شيئاً.
قال مجاهد: سداً عن الحق فهم يترددون.
وقال ابن زيد: جعل هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان فهم لا يخلصون
إليه. وقرأ: وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ، وقرأ: إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ [يونس: ٩٦]، وقرأ شبه ذلك.
وقيل: هو تمثيل، والمعنى: أنه تعالى منعهم من الهدى بالضلال فلم ينتفعوا بالإنذار.
قال ابن إسحاق: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية من خلف يترصدون النبي ﷺ ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم فقرأ أول يس وفي يده تراب فرماهم به، وقرأ: وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مر رسول الله ﷺ.
وقال ابن عباس: أقسم أبو جهل لئن رأيت محمداً يصلي لأدمغنه، فأخذ حجراً
والنبي عليه السلام يصلي ليرميه به، فلما أومأ به إليه رجعت يده إلى عنقه والتصق الحجر بيده، فهو قوله: إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً [يس: ٨].
قال عكرمة: كانوا يقولون: هذا محمد، فيقول أبو جهل: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره.
ثم قال: وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ أي: الإنذار وتركه على هؤلاء الذين حق عليهم القول سواء، فيهم لا يؤمنون لما سبق لهم في أم الكتاب، وهو قوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس [الأعراف: ١٧٩].
قال ابن عباس: ما آمن منهم أحد، يريد من القوم الذين تقدم ذكرهم.
ثم قال: إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر أي: من آمن بالقرآن.
وَخشِيَ الرحمن بالغيب أي: وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناس لأن
المنافق يستخف بدين الله إذ خلا.
ويجوز أن يكون المعنى: وخاف الله من أجل ما أتاه من الأخبار التي غابت عنه فلم يعاينها، ولكنه صدقها فخاف من عواقبها، فهو مثل قوله: الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب [البقرة: ٣].
ثم قال: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ أي: بستر من الله لذنوبه إذا اتبع الذكر وخاف الله.
وَأَجْرٍ كَرِيمٍ أي: وثواب في الآخرة حسن، وذلك الجنة.
ثم قال: (تعالى ذكره: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى يعني في الآخرة للنشور.
وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ أي: من أعمالهم في الخير والشر. وتقديره: ونكتب ذكر ما قدموا.
وَآثَارَهُمْ أي: ما أخروا بعدهم من الأعمال والسنن التي يتبعون عليها (ويقتدى بهم فيها). فهو ما أبقى الرجل بعده من عمل يجري عليه ثوابه أو إثمه.
وقيل/ هو تصرفهم وتقلبهم في (الدنيا) وخطاهم مكتوب (كله).
وروي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله ﷺ ليقرب عليهم. فيكون المعنى: ونكتب ثواب خطاهم ومشيهم إلى المسجد على بعد مساكنهم وقربها.
قال ابن عباس: كانت (منازل) الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت وَنَكْتُبُ مَاَ (قَدَّمُواْ) وَآثَارَهُمْ فقالوا: نثبت مكاننا.
وقال جابر: أَرَادَ بَنُوا سَلِمَة قُرْبَ المَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: " يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَّارَكُمْ إِنَّهَا تُثْبِتُ آثَارُكُمْ ".
وقال مجاهد (والحسن) وقتادة: آثارهم خطاهم.
قال جابر بن عبد الله: " هَمَمْنَا أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، واسْتَشَرْنَا رَسُولَ الله
A، فَقَالَ: امْكُثُوا (مَكَانَكُمْ)، فَإِنَّ لَكُمْ فَضِيْلَةٌ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً ".
وروى جابر " أنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ الله أَرَدْنَا نَتَحَوَّلَ إِلَى قُرْبِ المَسَجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: " لا تَفْعَلُوا فَإِنَّ بِكُلِّ خُطْوَةٍ (حَسَنَةً) ".
وروى عقبة بن عامر عن النبي أنه قال: " يُكْتَبُ لَهُ بِرِجْلٍ حَسَنَةً وَيُحَطُّ عَنْهُ بِرِجْلٍ سَيِّئَةً/، ذَاهِباً وَرَاجِعاً إِذَا خَرَجَ إِلَى المَسْجِد ".
ثم قال (تعالى): وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ أي: ما كان وما هو كائن
أثبتناه في أم الكتاب. ومعنى مُّبِينٍ أي: بَيّنٍ عن حقيقة ما أثبت فيه، وهو اللوح المحفوظ. قاله مجاهد وقتادة وابن زيد.
ثم قال (تعالى): واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية إِذْ جَآءَهَا المرسلون أي: اذكر لهم يا محمد مثلاً لهم مثلاً.
يقال هذا من ضرب هذا، أي: من أمثاله وجنسه.
أصحاب القرية بدل من مثل، والتقدير مثل أصحاب القرية.
قال عكرمة: هي أَنْطَاكِيَة.
وقاله الزهري.
وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن عيسى بن مريم عليهما السلام بعث رجلين من الحواريين إلى أنْطاكِيَة مدينة الروم فكذبوهما، فقواهما الله بثالث فكذبوهم.
وقال وهب بن منبه: كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يعبد الأصنام، يقال له: أنطيخس بن أنطيخس، فبعث الله (إليه) المرسلين وهم ثلاثة صَادِقٌ وصَدُوقٌ وَشَلُومٌ، فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته اثنين منهم فكذبوهما، وهو قوله: قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا أي: لستم بملائكة، إنما أنتم بنو آدم مثلنا فلا نقبل منكم، وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ قالت الرسل: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ.
(أي من عنده)، وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البلاغ المبين أي: ليس يلزمنا إلا أن
نبلغ إليكم ما أُرْسِلْنا به (إليكم) ونبينه لكم. قال وهب: ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وعابت دينه قالوا لهم: إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ أي: تَشَاءَمْنا بِكُمْ، لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ، أي: لئن لم تسكتوا عما تقولون لنقتلنكم رجماً ولنعذبنكم عذاباً (أليماً).
وتأول الفراء: أن الثالث أرسل قبل الاثنين، وأنه شمعون ولو كان كما قال لكان القرآن: فعززنا بالثالث.
ومعنى: فَعَزَّزْنَا فقوينا وشددنا، وأصله من عَزَّنِي إذا غلبني، ومنه قوله: وَعَزَّنِي فِي الخطاب [ص: ٢٣]، أي غلبني.
ثم قال (تعالى): قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أي: قالت لهم الرسل لما تشاءموا
بهم أعمالكم معكم وحظكم من الشر والخير معكم ليس ذلك من شؤمنا، أَمِنْ أجل أَنَّا ذَكَّرْنَاكُمْ بالله وبعقابه تطيرتم بنا.
وقيل: التقدير: قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم فمعكم طائركم، يقدره على التكرير، وهو مذهب بعض البصريين.
وقرئت أَئِن ذُكِّرْتُم بهمزتين مفتوحتين.
والمعنى: لأن ذُكِّرْتُم تطيرتم بنا فهو على ما مضى، وقراءة الجماعة على ما يأتي.
بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ أي: في المعاصي.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي