قوله : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا لما بين حال الأولين قال للحاضرين : ألَمْ يَرُوا الباقون ما جرى على من٢ تقدم منهم. قوله : كم أهلكنا كم هنا خبرية٣ فهي مفعول «بأهلكنا » تقديره : كثيراً من القرون أهلكنا وهي مُعَلِّقة٤ «ليَرَوْا » ذهاباً٥ بالخبرية مذهب الاستفهامية، وقيل : بل «يَرَوا » علمية و «كم » استفهامية كما سيأتي بيانه٦ و أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يرجعون فيه أوجه :
أحدها : أنه بدل من كم ٧ قال ابن عطية : و كم هنا خبرية و أنهم بدل منها، والرؤية بصرية٨ قال أبو حيان : وهذا لا يصح لأنها إذا كانت خبرية ( كانت )٩ في موضع نصب «بأهلكنا »، ولا يسوغ فيها إلا ذلك وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون أنهم بدلاً منها ؛لأن البدل على نية تكرار العامل ولو سلطت أهلكنا ( هم ) }١٠ على أنهم لم يصح ؛ألا ترى أنك لو قلت : أهلكنا انتفى رجوعهم أو أهلكنا كونهم لا يرجعون لم يكن كلاماً لكنَّ ابْنَ عطية توهم أن ( يَرُوْا ) مفعولة «كم » فتوهم أن قوله : أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ بدل منه لأنه لا يسوغ أن يسلط عليه فتقول : ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون. وهذا وأمثاله دليل إلى ضعفه في ( عِلْم )١١ العربية١٢. قال شهاب الدين : وهذا١٣ الإنحاءُ عليه تحامل عليه لأنه لقائل أن يقول : كم قد جعلها خبرية والخبرية يجوز أن تكون معمولة لما قبلها عند قوم فيقولون :«مَلَكْتُ كم عبدٍ »١٤ فلم يلزم الصدر١٥ فيجوز أن يكون بناء هذا التوجيه على هذه اللغة وجعل كم منصوبة «بيَرَوا » و أنهم بدل منها. وليس هو ضعيفاً في العربية١٦ حينئذ.
الثاني : أن أنَّهُمْ بدل من الجملة قبله. قال الزجاج١٧ : وهو بدل من الجملة والمعنى ألم يروا أن القرون التي أهلكناها أنهم لا يرجعون لأن عدم الرجوع والهلاك بمعنى. قال أبو حيان وليس بشيء لأنه ليس بدلاً صناعياً وإنما فسر المعنى ولم يلحظ صناعة النحو١٨ قال شهاب الدين : بل هو بدل صناعي لأن الجملة في قوة المفسر إذ هي سادة مسد مفعولي «يروا » فإنها معلقة لها كما تقدم١٩.
الثالث : قال الزمخشري : أَلَمْ يَرَوا ألم يعلموا وهو٢٠ معلَّقٌ عن العمل في كَمْ لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها سواه كانت للاستفهام ( أو للخبر٢١، لأن أصلها الاستفهام ) إلا أنَّ معناها نافذ في الجملة كما نفذ في قولك :( ألَمْ يَرَوْا٢٢ ) إن زيداً لمُنْطَلِقٌ و «أن » لم يعمل في لفظه و أنَّهُمْ إِلَيْهمْ لاَ يَرْجِعُون بدل من كَمْ أهلَكْنَا على المعنى لا على اللفظ تقديره : ألم يروا كَثْرَة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.
قال أبو حيان قوله :«لأن كم٢٣ لا يعمل فيها ما قبلها كانت للاستفهام أو للخبر » ليس على إطلاقه ؛لأن إذا كانَ حرف جر أو اسماً مضافاً جاز أن يعمل فيها نحو : عَلَى كَمْ جِذْع بَيْتُكَ ؟ وأيْن كم رئيس صَحِبْتَ ؟ كَمْ فَقير تَصَدَّقْت أرجو الثواب ؟ وأين كم شهيد في سبل الله أحسنت إليه. وقوله أو الخبرية٢٤ الخبرية فيها لغة الفصيحة كما ذكر لا يتقدمها عامل إلا ما ذكرنا من الجار، واللغة الأخرى حكاها الأخفش٢٥ يقولون : مَلَكْت كَمْ غُلاَم أي : ملكت كثيراً من الغِلمان فكما يجوز تقدم العامل على كثيراً٢٦، كذلك يجوز على «كم » لأنها بمعناها. وقوله : لأنها٢٧ أصلها الاستفهام والخبرية ليس أصلها الاستفهام بل كل واحدة أصل٢٨ ولكنهما لفظان مشتركان بين الاستفهام والخبر وقوله : لأن معناها نافذ في الجملة يعني معنى يَرَوْا نافذ في الجملة لأنه جعلها معلقة وشرح «يروا » بيعملوا، وقوله : كما نفذ في قولك :«أَلَمْ يَرَوا إِنًّ زيداً لَمُنْطلِقٌ » يعني : أنه لو كان معمولاً من حيث اللفظ لامتنع دخول اللام ولفتحت «أن » فإن «إن » التي في خبرها اللام من الأدوات المعلقة لأفعال القلوب، وقوله : أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ إلى آخر كلامه لا يصح أن يكون بدلاً على اللفظ ولا على المعنى، أما على اللفظ فإن زعم أن يروا معلقة فتكون كم استفهامية فهي معمولة «لأهْلَكْنَا » و «أهلكنا » لا يتسلط على أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ كما تقدم.
وأما على المعنى فلا يصح أيضاً لأنه قال تقديره : أي على ( هذا )٢٩ المعنى ألم يروا كثرة إهلاكنا القرونَ من قبلهم كَوْنَهم غيرَ٣٠ راجعين إليهم. فكونهم غير كذا ليس كثرة الإهلاك فلا يكون بدل كل من كل وليس بعض الإهلاك فلا يكون ( بدل بعض٣١ من كل ولا يكون ) بدل اشتمال ؛ لأن بدل الاشتمال يصح أنْ يُضَافَ إلى ما أبدل منه وكذلك بدل بعض من كل وهذا لا يصح هنا لا نقول : ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم وفي بدل الاشتمال نحو : أعجبتني الجارية ملاحتها وسُرقَ٣٢ زيد ثوبُه يصح أعجبتني ملاحةُ الجارية وسُرق ثَوْبُ زَيْدٍ.
الرابع : أن يكون أنهم بدلاً من موضع «كم أهلكنا » والتقدير : ألم يروا أنهم إليهم قاله أبو البقاء٣٣ ورده أبو حيان بأن «كم أهلكنا » ليس بمعمول٣٤ «ليروا ». قال شهاب الدين : وقد تقدم أنها معمولة لها على معنى أنه معلقة٣٥ لَهَا.
الخامس : وهو قول الفراء : أن يكون «يروا » عاملاً في الجملتين من غير٣٦ إبدال ولم يبين كيفية العمل وقوله الجملتين يجوز ؛
لأن «أنهم » ليس بجملة لتأويله بالمفرد إلا أنه مشتمل على مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إليه.
السادس :( أن )٣٧ أنَّهُم معمول لفعل محذوف دل عليه السِّيَاق والمعنى تقديره : قَضَينَا وحَكَمْنَا أنَّهُمْ إليهم لا يرجعون ويدل على صحة هذا قول٣٨ ابنِ عباس والحسن إنَّهُمْ بكسر الهمزة على الاستئناف٣٩ والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها. فهما مقولان تكون معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها والضمير في أنهم عائد على معنى كم٤٠، وفي إليهم عائد على ما عاد عليه واو يَرَوا . ( وقيل٤١ : بل الأول عائد على ما عاد عليه واو يَرَوْا ) والثاني عائد على المُهْلَكِينَ٤٢.
فصل :
المعنى : ألم يخبروا أهل مكة كم أهلكنا قبلهم من القرون، والقرن أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ سموا بذلك لاقترانهم في الوجود أنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ أي : لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون٤٣. وقيل : لا يرجعون أي الباقون لا يرجعون إلى المُهْلَكين بنسب٤٤ ولا ولادة أي : أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أنَّ الإهلاك الذي يكون مع قطع النّسل أتم وأعم. والأول أشبه نقلاً والثاني أظهر عقلاً٤٥.
٣ قاله السمين في الدر ٤/٥٠٩ وأبو البقاء في التبيان ١٠٨١ وابن الأنباري في البيان ٢/٢٩٤ والزجاج في معانيه ٤/٢٨٥ ومكي في المشكل ٢/٢٢٥ والنحاس في الإعراب ٣/٣٩٣ و ٣٩٢ والقرطبي ١٥/٢٤..
٤ الكشاف ٣/٣٢١..
٥ في "ب" إذهابا..
٦ وهو قول الفراء في معانيه ٢/٣٧٦ وقد أجاز الوجه الأول أيضا انظر: المرجع السابق..
٧ معاني الفراء ٢/٣٧٦ ومعاني الزجاج ٤/٢٨٥ والبيان ٢/٢٩٤ والمشكل ٢/٢٢٥ والتبيان ١٠٨١والكشاف ٣/٣٢١..
٨ البحر المحيط ٧/٣٣٣..
٩ سقط من "ب"..
١٠ زيادة من "ب" على البحر و "أ"..
١١ زيادة من "أ"..
١٢ وانظر: البحر المحيط ٧/٣٣٣ مع اختلاف يسير في الألفاظ..
١٣ الدر المصون ٥١٠/٤..
١٤ فتكون مفعولا به كما ارتأى ابن عطية. وهذا الموقف من السمين يجعلنا نحكم بأنه أيد رأي ابن عطية وخالف رأي أستاذه أبي حيان..
١٥ في "ب" المصدر تحريف..
١٦ الحقيقة أن "كم" بنوعيها الخبرية والاستفهامية تلزم الصدر وقد رأى ابن عصفور فيما نقله عنه ابن هشام في المغني في :"ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون" و "أو لم يهد لهم" رأى أن "كم" معمولة لما قبلها من الفعل وقوله: "إن ذلك على لغة رديئة حكاها الأخفش عن بعضهم أنه يقول: "ملكت كن عبيد" فيخرجها عن الصدر. خطأ عظيم إذ خرج كلام الله على هذه اللغة. بتصرف من المغني ١٨٤ و ١٨٣..
١٧ معاني الزجاج وإعرابه ٤/٢٨٥ وإعراب القرآن المنسوب له ٥٤٧ والبحر ٧/٣٣٣..
١٨ البحر ٧/٣٣٣..
١٩ الدر ٤/٥١٠..
٢٠ في "ب" إذ هو..
٢١ ما بين القوسين ساقط من (ب) وهو في الكشاف..
٢٢ سقط من "ب". وقاله في الكشاف ٣/٣٢١..
٢٣ من المناقشات التي ناقش فيها الإمام أبو حيان الزمخشري انظر الكشاف ٣/٣٢١ والبحر ٧/٣٣٣..
٢٤ الأصح: أو للخبر كما يقتضيه السياق والحوار..
٢٥ المغني ١٨٤ كما سبق..
٢٦ في البحر "كثير"..
٢٧ في "ب" لأنه..
٢٨ وفيها أصلها وهما يخالفان البحر..
٢٩ سقط من (ب)..
٣٠ وانظر: البحر ٧/٣٣٣..
٣١ ما بين القوسين سقط من "ب"..
٣٢ التصحيح من "ب" والبحر المحيط وفي "أ" شرق..
٣٣ التبيان ١٠٨١..
٣٤ البحر المحيط ٧/٣٣٣ بالمعنى..
٣٥ الدر المصون ٤/٥١١..
٣٦ قال في المعاني ٢/٣٧٦: "وكم في موضع نصب من مكانين: أحدهما : أن توقع "يروا" على "كم" وهي قراءة عبد الله أو لم يروا من أهلكنا. فهذا وجه والآخر أن توقع أهلكنا على كم وتجعله استفهاما كما تقول: علمت كم ضربك غلامك وقال: وقوله: "أنهم إليهم" فتحت ألفها لأن المعنى ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون..
٣٧ سقط من "ب"..
٣٨ في "ب" قراءة وهو الأقرب. وهذا الرأي السادس قاله أبو حيان في البحر ٧/٣٣٤..
٣٩ من الشواذ وانظر المعاني للفراء ٢/٣٧٦ ومختصر ابن خالويه ١٢٥ والتبيان ١٠٨١ والكشاف ٣/٣٢١..
٤٠ الدر المصون ٤/٥١٢..
٤١ ما بين القوسين سقط من "ب"..
٤٢ المرجع السابق..
٤٣ انظر: زاد المسير ٧/١٥..
٤٤ في "ب" بسبب تحريف..
٤٥ نقله الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير ٢٦/٦٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود