مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة أي ما ينتظرون إلاّ صيحة واحدة، وهي : نفخة إسرافيل في الصور تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ أي يختصمون في ذات بينهم في البيع والشراء، ونحوهما من أمور الدنيا، وهذه هي النفخة الأولى، وهي نفخة الصعق.
وقد اختلف القراء في يخصّمون ، فقرأ حمزة بسكون الخاء، وتخفيف الصاد من خصم يخصم، والمعنى : يخصم بعضهم بعضاً، فالمفعول محذوف. وقرأ أبو عمرو، وقالون بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. وقرأ نافع، وابن كثير، وهشام كذلك إلا أنهم أخلصوا فتحة الخاء، وقرأ الباقون بكسر الخاء، وتشديد الصاد. والأصل في القراءات الثلاث يختصمون، فأدغمت التاء في الصاد، فنافع، وابن كثير، وهشام نقلوا فتحة التاء إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو، وقالون اختلسا حركتها تنبيهاً على أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها، فالتقى ساكنان، فكسروا أوّلهما. وروي عن أبي عمرو، وقالون : أنهما قرءا بتسكين الخاء وتشديد الصاد، وهي قراءة مشكلة لاجتماع ساكنين فيها.
وقرأ أبيّ " يختصمون " على ما هو الأصل.
وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله : فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً الآية قال : تقوم الساعة، والناس في أسواقهم يتبايعون، ويذرعون الثياب، ويحلبون اللقاح، وفي حوائجهم فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ، وأخرج عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن الزبير بن العوّام قال : إن الساعة تقوم، والرجل يذرع الثوب، والرجل يحلب الناقة، ثم قرأ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً الآية. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب في قوله : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا قال : ينامون قبل البعث نومة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني