مقاتل: يعني العذاب. إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أن العذاب نازل (١). وقال الكلبي: متى هذا الوعد الذي تعدنا به من القيامة إن كنتم صادقين في ذلك (٢).
قال أبو إسحاق: أي: متى إنجاز هذا الوعد، إن كنتم صادقين فأرونا ذلك (٣).
٤٩ - قال الله تعالى: [..] (٤) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى (٥). والمعنى أن القيامة تأتيهم بغتة، تأخذهم الصيحة وهم يخصمون، أىِ: يختصمون. قال ابن عباس: يريد البيع والشراء (٦).
قال الكلبي: يتكلمون ويتبايعون في أسواقهم (٧).
وقال مقاتل: وهم أعز ما كانوا يتكلمون في الأسواق والمجالس (٨).
وقال قتادة: تهيج الساعة بالناس والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه،
(٢) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد أورده الماوردي ٥/ ٢٢ عن يحيى بن سلام.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٨٩.
(٤) في (أ): زيادة قوله تعالى، وهو تكرار لا لزوم له بل إثباته خطأ؛ لأنه يجعل (قوله تعالى) مقولًا لـ (قال الله تعالى)، فيكون قرآنًا وهو ليس كذلك. وقد تكررت في بعض المواضع في باقي السورة.
(٥) انظر: "البغوي" ٤/ ١٤، "مجمع البيان" ٨/ ٦٦٨.
(٦) ورد بنحوه في "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص ٣٧٢.
(٧) لم أقف عليه عن ابن عباس، وأورده الماوردي ٥/ ٢٢ عن السدي.
(٨) "تفسير مقاتل" ١٠٧ ب.
فيصيح (١) بهم وهم كذلك (٢).
وقال أبو إسحاق: تقوم الساعة وهم متشاغلون في تصرفاتهم (٣).
وفي قوله: يَخِصِّمُونَ وجوه من القراءة، أجودها فتح الخاء مع تشديد الصاد، والأصل: يختصمون، فألقيت حركة الحرف المدغم -وهو التاء- على الساكن الذي قبله -وهو الخاء- وهذا أحسن الوجوه بدلالة قولهم: ردَّ وفرَّ وغضَّ، [فألقوا حركة العين على الساكن، وذلك أن الأصل: ردد وافرر واغضض] (٤). ويلي الوجه الأول في الجودة قراءة من قرأ بكسر الخاء، ووجهه أنه حرك الخاء بالكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنه لم يلق حركة التاء على الفاء. وقرأ أهل المدينة بالجمع بين ساكنين والخاء والحرف المدغم. قال الزجاج: وهو أشد الوجود وأردؤها (٥).
وقال أبو علي: من زعم أن ذلك ليس في طاقة اللسان إدغامًا يعلم فساده بغير استدلال (٦).
وقرأ حمزة: يخصمون، ساكنة الخاء مخففة الصاد، وهي قراءة يحيى ابن وثاب.
قال الفراء: (من قرأ على قراءة يحيى فيكون تفعلون من الخصومة،
(٢) انظر: "الطبري" ٢٣/ ١٣، وأورده السيوطي في "الدر" ٧/ ٦١ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٩٠.
(٤) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٩٠.
(٦) "الحجة" ٦/ ٤٢.
كأنه قال: وهم يتكلمون. قال: ووجه آخر: وهم في أنفسهم يخصمون من وعدهم الساعة، وهم يغلبون عند أنفسهم من قال لهم أن الساعة آتية) (١).
وذكر (٢) أبو إسحاق هذين الوجهين فقال: (في هذه القراءة أنها جيدة أيضًا، ومعناها أنها تأخذهم وبعضهم يخصم بعضًا. قال: ويجوز أن يكون تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون، فتقديره: يخصم بعضهم بعضًا، فحذف المضاف، وحذف المفعول به كثير في التنزيل وغيره. قال: ويجوز أن يكون المعنى: يخصمون مجادلهم عند أنفسهم، فحذف المفعول به، ومعنى يخصمون يعلنون خصومهم في الخصام (٣) انتهى كلامه.
والوجه الأول في معنى هذه القراءة كمعنى سائر الوجوه من القراءة؛ لأنه بمعنى يخصم بعضهم بعضًا في تخاصمهم ومكالمتهم في متصرفاتهم (٤) يغلب بعضهم بعضًا متشاغلين بكلامهم، وليس بمعنى الغلبة في الخصومة في الساعة كما ذكر في الوجه الثاني (٥).
فإن قيل: إن هؤلاء الذين أخبر عنهم ما هم قالوا متى هذا الوعد انقرضوا صاروا رمادًا، فكيف يخبر عنهم بأن الساعة تقوم عليهم وهم يختصمون؟ قيل: يراد بهذا من هو على مثل حالهم من المكذبين بالساعة،
(٢) في (ب): (وقال)، وهو خطأ.
(٣) لم أقف على هذا الكلام عن أبي إسحاق، ويظهر أنه كلام أبي علي وإنما وهم المؤلف رحمه الله فنسبه لأبي إسحاق. انظر: "الحجة" ٦/ ٤٢.
(٤) في (ب): (متصرتهم)، وهو خطأ.
(٥) انظر: "الحجة" ٦/ ٤١ - ٤٣، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٧٩، "علل القراءات" ٢/ ٥٦٦، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" ص ٢١٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي