تمهيد :
تختم سورة يس بهذه الآيات التي تدل على عظمة الخالق وجليل قدرته، فهو قد خلق الإنسان من منى يمنى، وجعله سميعا بصيرا، لكن هذا الإنسان تحول إلى مجادل واضح الخصومة، حيث يأخذ العظام البالية فيفتتها، ويستدل بذلك على عدم إمكان البعث، وقد رد عليه القرآن بأن الذي خلق الإنسان أول مرة، قادر على إعادته عند البعث، إذ كل من أوجد عملا تكون إعادته أهون عليه، ثم ذكر بعض أمثلة القدرة ومنها استخلاص النار من الشجر الأخضر، وخلق السماوات والأرض، ومن قدر على خلق الأكبر يكون قادرا على خلق الأهون.
وفي الختام يبين القرآن أن جميع ما في الكون يطيع الله إطاعة المأمور للآمر، بلا توقف ولا افتقار إلى مزاولة عمل، ولا استعمال آلة.
٨٠- الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون .
الله سبحانه وتعالى أنبت لنا النبات والأشجار حيث نستفيد من أخشابها وأعوادها بالوقود والدفء وسائر المنافع، وكثير من المفسرين يرون أن المراد بالشجر الأخضر نوعان : أحدهما : المرخُ، والثاني : العَفار، بفتح العين، نقطع منهما عصوين مثل السواكين، وهما خضراوان، يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ – وهو ذكر – على العفار – وهو أنثى- فتقدح النار بإذن الله ٣٧.
وفي المثل : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، أي : استكثروا من النار، كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما وأجاز بعضهم – جميعا بين الرأيين- أن يكون المعنى : الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا بالفِعْل، بقدح المرخ بالعفار، فإذا أنتم من الشجر الأخضر المذكور توقدون النار من سواه.
وقد حدثني من أثق به أنه شاهد العودين الأخضرين هذين يقطران الماء والخضرة، وعند سحق أحدهما بالآخر تتقد النار، وهم وسيلة المحتاج إلى النار.
والقرآن بهذا يلفت النظر إلى بدائع القدرة الإلهية، فمن يَسّر للإنسان استخراج النار من الشجر الأخضر وهما ضدان، قادر على بعث الحياة في الموتى، فهو على كل شيء قدير.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة