وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا.. إلخ : وصيغة الاستنكار والتوكيد التي صيغت بها الآية [ ٢٧ ] تتضمن كما هو واضح معنى الاستنكار والتسفيه لظن الكفار بأن الله قد خلق السماء والأرض وما بينهما باطلا واطمئنانهم به واندفاعهم بتأثيره وراء الفساد والفجور، ثم معنى التوكيد على مصيرهم الرهيب يوم القيامة، ولقد تكرر هذا في سور عديدة أخرى مثل هذه الآيات في سورة الدخان وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين٣٨ ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون٣٩ إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين٤٠ وهذه الآية في سورة المؤمنون : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون١١٥ وهذه الآيات في سورة الأنبياء : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين١٦ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين١٧ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون١٨ مما يدل على أن حكمة التنزيل اقتضت توكيد ذلك بخاصة للكفار الفجار المطمئنين بالدنيا واللاهين عن الآخرة والمنحرفين عن الله وآياته نتيجة لذلك، وفي هذا ما فيه من تلقين تهذيبي وإيقاظي مستمر.
والآية تضمنت تقريرا قرآنيا محكما بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات : إنما يفعلون ذلك باختيارهم وكسبهم، كما أن المفسدين الفجار إنما يرتكبون جرائمهم ويسيرون في طريق الغواية باختيارهم وكسبهم أيضا حيث تقرر أنه لا يمكن أن يكون الفريقان في مركز واحد، وأن يعاملا معاملة واحدة، أو أن يترك الصالحون المتقون والمفسدون الفجار وشأنهم بدون حساب ولا جزاء إذ أن هذا يكون عبثا وباطلا في حين أن الله سبحانه لم يخلق الكون عبثا وباطلا.
التفسير الحديث
دروزة