تمهيد :
أتبع الحق سبحانه وتعالى قصة داود بدعوته ودعوة الناس جميعا إلى الحكم بالعدل، والبعد عن الهوى والظلم.
ويقول العلماء : إنك إذا ابتُليتَ بشخص معاند مكابر، لا يفتح قلبه للدليل، ولا يفتح عقله للمنطق والبرهان، فمن أساليب السياسة الحكيمة أن تروي له قصة، أو تحكي له موضوعا، فيفتح مداركه لاستيعابه، ويسترسل وراءك لمتابعته، ومن السهل بعد ذلك أن تعيد عليه عرض الموضوع، فربما ترك المكابرة والعناد.
ولذلك أعاد القرآن هنا عرض قضية التوحيد والحساب، وقيام الكون كله على طاعة الله وتوحيده، فبين أن الكون لم يخلق عبثا، وإنما ليشهد بقدرة الخالق، ولولا البعث والجزاء لتساوى الأتقياء والفجّار. وقد أنزل الله القرآن للتدبر وإعمال العقل، فهو كتاب مبارك، يأخذ بيد العقلاء إلى التأمل والتفكر، ثم الإيمان بالله واليوم الآخر.
المفردات :
باطلا : عبثا ولهوا.
ويل : هلاك وعذاب يأتيهم من النار.
التفسير :
٢٧- وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار .
لم نخلق السماء والأرض، والفضاء والهواء، والكون كله باطلا وعبثا ولهوا، بل خلقناه لحكمة، وهي معرفة الناس لله وعبادته وطاعته، وامتثال أمره، واجتناب نواهيه.
قال تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . [ الذاريات : ٥٦ ]..
أي : ليعرفوني ويعبدوني ويطيعوني.
ذلك ظن الذين كفروا .
بأنهم خلقوا عبثا، وسيتركون سدى، فلا بعث ولا حشر ولا حساب ولا جزاء، والآية ردٌّ على المشركين في إنكار البعث، ذلك لأن هذا الكون البديع يحتاج إلى إله عادل، والدنيا ليست دار جزاء، فلا بد من يوم للجزاء العادل، وإنكار هذا اليوم كفر.
فويل للذين كفروا من النار .
الذين كفروا بالله، وعزموا على هذا الكفر، وأصروا على أنهم لو مكثوا في الدنيا خالدين لاستمرّ كفرهم بالله، فسيكون عقابهم النار، التي يصلون عذابها فتحرق أجسامهم، ويأكلون الضريع والزقوم وجمر جهنم وحجارتها، ثم يسقون من الحميم الذي يُقطّع أمعاءهم، ويشوي وجوههم.
تفسير القرآن الكريم
شحاته