ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ ﮅﮆﮇﮈﮉﮊ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ
[ص: ٢٦] وَكُلُّ مَنْ سَمِعَ هَذَا قَالَ نِعْمَ مَا فَعَلَ حَيْثُ أَمَرَهُ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، ثُمَّ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَأَنَا لَا آمُرُكَ بِالْحَقِّ فَقَطْ، بَلْ أَنَا مَعَ أَنِّي رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا أفعل إلا بالحق ولا أفضي بِالْبَاطِلِ، فَهَهُنَا الْخَصْمُ يَقُولُ نِعْمَ مَا فَعَلَ حَيْثُ لَمْ يَقْضِ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَعِنْدَ هَذَا يُقَالُ لَمَّا سَلَّمْتَ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْحَقِّ لَا بِالْبَاطِلِ، لَزِمَكَ أَنْ تُسَلِّمَ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ رَاجِحًا عَلَى الْمُسْلِمِ فِي إِيصَالِ الْخَيْرَاتِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْحِكْمَةِ وَعَيْنُ الْبَاطِلِ، فَبِهَذَا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ أَوْرَدَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِلْزَامَ الْقَاطِعَ عَلَى مُنْكِرِي الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ إِيرَادًا لَا يُمْكِنُهُمُ الْخَلَاصُ عَنْهُ، فَصَارَ ذَلِكَ الْخَصْمُ الَّذِي بَلَغَ فِي إِنْكَارِ الْمَعَادِ إِلَى حَدِّ الِاسْتِهْزَاءِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا بِهَذَا/ الطَّرِيقِ، وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الدَّقِيقَةَ فِي الْإِلْزَامِ فِي الْقُرْآنِ، لَا جَرَمَ وَصْفَ الْقُرْآنَ بِالْكَمَالِ وَالْفَضْلِ، فَقَالَ: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَتَدَبَّرْ وَلَمْ يَتَأَمَّلْ وَلَمْ يُسَاعِدْهُ التَّوْفِيقُ الْإِلَهِيُّ لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذِهِ الْأَسْرَارِ الْعَجِيبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، حَيْثُ يَرَاهُ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ مَقْرُونًا بِسُوءِ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَكْمَلِ جِهَاتِ التَّرْتِيبِ، فَهَذَا مَا حَضَرَنَا فِي تفسير هذه الآيات، وبالله التوفيق.
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)
[القصة الثانية]
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ وَقَوْلُهُ: نِعْمَ الْعَبْدُ فِيهِ مَبَاحِثُ:
الْأَوَّلُ: نَقُولُ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ فِي نِعْمَ الْعَبْدُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ هُوَ سُلَيْمَانُ، وَقِيلَ دَاوُدُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْمَذْكُورَيْنِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ دَاوُدَ، لِأَنَّ وَصْفَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ قَالَ: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٧] فلو قلنا لفظ الأواب هاهنا أَيْضًا صِفَةُ دَاوُدَ لَزِمَ التَّكْرَارُ، وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهُ صِفَةٌ لِسُلَيْمَانَ لَزِمَ كَوْنُ الِابْنِ شَبِيهًا لِأَبِيهِ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي الْفَضِيلَةِ، فَكَانَ هذا أولى.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا نِعْمَ الْعَبْدُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لِلتَّعْلِيلِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّابًا، فَيَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وَفِي أَكْثَرِ الْمُهِمَّاتِ كَانَ مَوْصُوفًا بِأَنَّهُ نِعْمَ الْعَبْدُ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ، لِأَنَّ كَمَالُ الْإِنْسَانِ فِي أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ لِذَاتِهِ وَالْخَيْرَ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ، وَرَأْسُ الْمَعَارِفِ وَرَئِيسُهَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَأْسُ الطَّاعَاتِ وَرَئِيسُهَا الِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرَاتِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ أَوَّابًا، فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَوَّابًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ نِعْمَ الْعَبْدُ.
أَمَّا قَوْلُهُ: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ فَفِيهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: التَّقْدِيرُ نِعْمَ الْعَبْدُ هُوَ إِذْ كَانَ مِنْ أَعْمَالِهِ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا الثَّانِي: أَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ. وَالتَّقْدِيرُ اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، وَالْعَشِيُّ/ هُوَ مِنْ حِينِ الْعَصْرِ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ عُرِضَ الْخَيْلُ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا وَيَقِفَ عَلَى كَيْفِيَّةِ أَحْوَالِهَا، وَالصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ الْخَيْلُ وُصِفَتْ بِوَصْفَيْنِ

صفحة رقم 389

أولهما: الصَّافِنَاتُ، قَالَ صَاحِبُ «الصِّحَاحِ» : الصَّافِنُ الَّذِي يَصْفِنُ قَدَمَيْهِ،
وَفِي الْحَدِيثِ «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قُمْنَا صُفُونًا»
أَيْ قُمْنَا صَافِنِينَ أَقْدَامَنَا، وَأَقُولُ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالصُّفُونُ صِفَةٌ دَالَّةٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْفَرَسِ وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: لِلْخَيْلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْجِيَادُ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: وَالْجِيَادُ جَمْعُ جَوَادُ وَهُوَ الشَّدِيدُ الْجَرْيِ، كَمَا أَنَّ الْجَوَادُ مِنَ النَّاسِ هُوَ السَّرِيعُ الْبَذْلِ، فَالْمَقْصُودُ وَصَفُهَا بِالْفَضِيلَةِ وَالْكَمَالِ حَالَتَيْ وُقُوفِهَا وَحَرَكَتِهَا. أَمَّا حَالُ وُقُوفِهَا فَوَصَفَهَا بِالصُّفُونِ، وَأَمَّا حَالُ حَرَكَتِهَا فَوَصَفَهَا بِالْجَوْدَةِ، يَعْنِي أَنَّهَا إِذَا وَقَفَتْ كَانَتْ سَاكِنَةً مُطَمْئِنَةً فِي مَوَاقِفِهَا عَلَى أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ، فَإِذَا جَرَتْ كَانَتْ سِرَاعًا فِي جَرْيِهَا، فَإِذَا طَلَبَتْ لَحِقَتْ، وَإِذَا طُلِبَتْ لَمْ تُلْحَقْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي وَفِي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنْ يُضَمَّنَ أَحْبَبْتُ معنى فعل يتعدى بعن، كأنه قيل أنبت حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي وَالثَّانِي: أَنَّ أَحْبَبْتُ بِمَعْنَى أَلْزَمْتُ، وَالْمَعْنَى أَنِّي أَلْزَمْتُ حُبَّ الْخَيْلِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أَيْ عَنْ كِتَابِ رَبِّي وَهُوَ التَّوْرَاةُ، لِأَنَّ ارْتِبَاطَ الْخَيْلِ كَمَا أَنَّهُ فِي الْقُرْآنِ مَمْدُوحٌ فَكَذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ مَمْدُوحٌ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُحِبُّ شَيْئًا لَكِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ لَا يُحِبَّهُ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَشْتَهِي مَا يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ، وَالْأَبُ الَّذِي يُحِبُّ وَلَدَهُ الرَّدِيءَ، وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا، وَأَحَبَّ أَنْ يُحِبَّهُ كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ الْمَحَبَّةِ فَقَوْلُهُ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ بِمَعْنَى أَحْبَبْتُ حُبِّي لِهَذِهِ الْخَيْلِ.
ثُمَّ قَالَ: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ لَا عَنِ الشَّهْوَةِ وَالْهَوَى، وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ الْوُجُوهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: حَتَّى تَوارَتْ أَقُولُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى تَوارَتْ، وَفِي قَوْلِهِ: رُدُّوها يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَائِدًا إِلَى الشَّمْسِ، لأنه جرى ذكر ماله تُعَلُّقٌ بِهَا وَهُوَ الْعَشِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَائِدًا إِلَى الصَّافِنَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّمْسِ وَالثَّانِي بِالصَّافِنَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ أَرْبَعَةٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا فَالْأَوَّلُ: أَنْ يعود الضميران معاني إِلَى الصَّافِنَاتِ، كَأَنَّهُ قَالَ حَتَّى تَوَارَتِ الصَّافِنَاتُ بِالْحِجَابِ رُدُّوا الصَّافِنَاتِ عَلَيَّ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرَانِ مَعًا عَائِدِينَ إِلَى الشَّمْسِ كَأَنَّهُ قَالَ حَتَّى تَوَارَتِ الشَّمْسُ بِالْحِجَابِ رَدُّوا الشَّمْسَ،
وَرُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اشْتَغَلَ بِالْخَيْلِ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ
فَقَوْلُهُ: رُدُّوها عَلَيَّ إِشَارَةٌ إِلَى طَلَبِ رَدِّ الشَّمْسِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ عِنْدِي بِعِيدٌ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الصَّافِنَاتِ مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا، وَالشَّمْسُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ وَعَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى الْمَذْكُورِ أَوْلَى مِنْ عَوْدِهِ إِلَى الْمُقَدَّرِ الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقُولُ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وَكَانَ يُعِيدُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ إِلَى أَنْ/ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، فَلَوْ قُلْنَا الْمُرَادُ حَتَّى تَوَارَتِ الصَّافِنَاتُ بِالْحِجَابِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ حِينَ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهَا حَالَ جَرْيِهَا كَانَ يَقُولُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَى أَنْ غَابَتْ عَنْ عَيْنِهِ وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ، وَلَوْ قُلْنَا الْمُرَادُ حَتَّى تَوَارَتِ الشَّمْسُ بِالْحِجَابِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُعِيدُ عَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ إِلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ الثَّالِثُ: أَنَّا لَوْ حَكَمْنَا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الشَّمْسِ وَحَمَلْنَا اللفظ على أنه ترك الصلاة الْعَصْرِ كَانَ هَذَا مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ: أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي فَإِنَّ تِلْكَ الْمَحَبَّةَ لَوْ كَانَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَمَا نَسِيَ الصَّلَاةَ وَلَمَا تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ الرَّابِعُ: أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَقِيَ مَشْغُولًا بِتِلْكَ الْخَيْلِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَفَاتَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؟، فَكَانَ ذَلِكَ ذَنْبًا عَظِيمًا وَجُرْمًا قَوِيًّا، فَالْأَلْيَقُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ التَّضَرُّعُ وَالْبُكَاءُ

صفحة رقم 390

وَالْمُبَالَغَةُ فِي إِظْهَارِ التَّوْبَةِ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَوُّرِ وَالْعَظَمَةِ لِإِلَهِ الْعَالَمِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، رُدُّوهَا عَلَيَّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَارِيَةِ عَنْ كُلِّ جِهَاتِ الْأَدَبِ عَقِيبَ ذَلِكَ الْجُرْمِ الْعَظِيمِ، فَهَذَا لَا يَصْدُرُ عَنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنِ الْخَيْرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إِسْنَادُهُ إِلَى الرَّسُولِ المطهر المكر! الْخَامِسُ: أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى تَحْرِيكِ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ رُدَّهَا عَلَيَّ وَلَا يَقُولَ رُدُّوهَا عَلَيَّ، فَإِنْ قَالُوا إِنَّمَا ذَكَرَ صِيغَةَ الْجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُخَاطَبِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ: رُدُّوها لَفْظٌ مُشْعِرٌ بِأَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْإِهَانَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذَا اللَّفْظِ رِعَايَةُ التَّعْظِيمِ السَّادِسُ: أَنَّ الشَّمْسَ لَوْ رَجَعَتْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَكَانَ ذَلِكَ مُشَاهَدًا لِكُلِّ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَإِظْهَارِهِ، وَحَيْثُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ ذَلِكَ عَلِمْنَا فَسَادَهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ثُمَّ قَالَ: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ وَعَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورَيْنَ أَوْلَى، وَأَقْرَبُ الْمَذْكُورَيْنَ هُوَ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، وَأَمَّا الْعَشِيُّ فَأَبْعَدُهُمَا فَكَانَ عَوْدُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إِلَى الصَّافِنَاتِ أَوْلَى، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ عَلَى تُوَارِي الشَّمْسِ وَأَنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: رُدُّوها عَلَيَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ طَلَبُ أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ الشَّمْسَ بَعْدَ غُرُوبِهَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنِ النَّظْمِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أَيْ فَجَعَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَمْسَحُ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا، قَالَ الْأَكْثَرُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَسَحَ السَّيْفَ بِسُوقِهَا وَأَعْنَاقِهَا أَيْ قَطَعَهَا، قَالُوا إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ بِسَبَبِ اشْتِغَالِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى تِلْكَ الْخَيْلِ اسْتَرَدَّهَا وَعَقَرَ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا تَقْرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى مَسْحِ السُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ قَطْعَهَا لَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [الْمَائِدَةِ: ٦] قَطْعَهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ بَلْ لَوْ قِيلَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ فَرُبَّمَا فُهِمَ مِنْهُ ضَرْبُ الْعُنُقِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُذْكُرْ لَفْظَ السَّيْفِ لَمْ يُفْهَمِ الْبَتَّةَ مِنَ الْمَسْحِ الْعَقْرُ وَالذَّبْحُ الثَّانِي: الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ جَمَعُوا عَلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْوَاعًا مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ فَأَوَّلُهَا: تَرْكُ الصَّلَاةِ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الِاشْتِغَالُ بِحُبِّ الدُّنْيَا إِلَى حَيْثُ نَسِيَ الصَّلَاةَ،
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ»
وَثَالِثُهَا: / أَنَّهُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ الْبَتَّةَ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ خَاطَبَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِقَوْلِهِ: رُدُّوها عَلَيَّ وَهَذِهِ كَلِمَةٌ لَا يَذْكُرُهَا الرَّجُلُ الْحَصِيفُ إِلَّا مَعَ الْخَادِمِ الْخَسِيسِ وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ أَتْبَعَ هَذِهِ الْمَعَاصِي بِعَقْرِ الْخَيْلِ فِي سُوقِهَا وَأَعْنَاقِهَا،
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إِلَّا لِمَأْكَلِهِ»،
فَهَذِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْكَبَائِرِ نَسَبُوهَا إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا: وَسَادِسُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ إِنَّمَا ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَقِيبَ قَوْلِهِ: وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ص: ١٧] وَأَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا بَلَغُوا فِي السَّفَاهَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى سَفَاهَتِهِمْ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ: وَذَكَرَ قِصَّةَ دَاوُدَ، ثم ذكر عقبيها قِصَّةَ سُلَيْمَانَ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا سُلَيْمَانَ، وَهَذَا الْكَلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ لَائِقًا لَوْ قُلْنَا إِنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِالْأَعْمَالِ الْفَاضِلَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَصَبَرَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَأَعْرَضَ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى الْكَبَائِرِ الْعَظِيمَةِ وَالذُّنُوبِ الْجَسِيمَةِ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَائِقًا بِهَذَا الْمَوْضِعِ، فَثَبَتَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى يُنَادِي عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ بِالرَّدِّ وَالْإِفْسَادِ وَالْإِبْطَالِ بَلِ التَّفْسِيرُ الْمُطَابِقُ لِلْحَقِّ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالصَّوَابُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ رِبَاطَ الْخَيْلِ كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ

صفحة رقم 391

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية