نعم الله تعالى على إبراهيم وذريته عليهم السّلام
هذه أيضا كما سبق سيرة طيبة عبقة لثلّة من الأنبياء، يراد بها العظة والعبرة، والتعليم للبشر، والتخلق بأخلاقهم، والعمل بأعمالهم التي من أجلها استحقوا ما أعد الله لهم ولأمثالهم في هذه الآيات الآتية من الثواب الجزيل والنعيم العظيم.
تضمنت الآيات أمر النبي محمدا عليه الصلاة والسّلام أن يذكر للعبرة والعظة صبر إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحاق في دعوة بني إسرائيل إلى الرشاد، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره، وصبر إسماعيل للذبح، وصبر اليسع وذي الكفل على أذى بني إسرائيل، قال الله تعالى واصفا كل ذلك بإيجاز بديع:
[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٥٤]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)
«١» «٢» «٣» «٤» [ص: ٣٨/ ٤٥- ٥٤].
هذه أخبار سارّة عن فضائل الأنبياء والمرسلين، اذكر أيها الرسول محمد عمل وصبر مجموعة من عبادنا المرسلين: إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي القوة في العبادة والبصيرة النافذة، فإنهم دأبوا على الطاعة، وقوّيناهم على العمل الصالح المرضي.
وذلك لأننا خصصناهم بميزة خالصة، وهي العمل للآخرة، والتزام الأوامر، واجتناب النواهي، لتذكرهم الآخرة، وإيمانهم المطلق بها، وذلك شأن الأنبياء والرسل.
(٢) حابسات نظرهن على الأزواج.
(٣) أي لدات في سن واحدة.
(٤) أي انقطاع وفناء.
وقوله: ذِكْرَى مصدر، والدَّارِ منصوبة ب (ذكرى) على معنى:
أخلصناهم بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة، ودعوا الناس إليها، وحضوهم عليها.
وإنهم عند الله لمن المختارين من أبناء جنسهم، الخيّرين، المطبوعين على حب الخير وفعله، فلا يميلون للأذى، وليس في قلوبهم شيء من الضغينة والحقد والحسد والبغض لأحد، ولا يقترفون منكرا، ولا يرتكبون معصية، فهم أخيار مختارون من الله تعالى.
واذكر أيضا أيها النبي الرسول محمد صبر إسماعيل واليسع وذي الكفل وأعمالهم الصالحة، فكل منهم أيضا من الأخيار المختارين للنبوة وأداء الرسالة الإلهية. ثم أخبر الله تعالى عن الهدف من إيراد هذه الأخبار النبوية، فهذه الآيات القرآنية التي تعدّد محاسن هؤلاء الأنبياء تذكّر لهم وتنويه، وذكر جميل في الدنيا، وشرف يذكرون به أبدا، وإن لهم وللمتقين أمثالهم لحسن مرجع، يرجعون فيه في الآخرة إلى مغفرة الله ورضوانه ونعيم جنته. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ إشارة إلى القرآن، أي هو ذكر للعالم.
ثم فسّر الله تعالى المقصود بالمرجع وحسن المآب: وهو أن لهم جنات إقامة دائمة، مفتّحة لهم الأبواب، فإذا قدموا فتحت لهم أبواب الجنة، إكراما لهم، تفتحها الملائكة ليدخلوها مكرمين. وفي هذا إيماء بتخصيصاتهم وبسعتها وبهائها.
تراهم متكئين في الجنات على الأرائك والأسرّة، يطلبون ما لذّ وطاب مما شاؤوا من أنواع الفاكهة الكثيرة، وأنواع الشراب الكثير العذب الطيب وغير ذلك، فمهما طلبوا وجدوا، وأحضر كما أرادوا.
ولهم زوجات قاصرات حابسات طرفهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهن،
وهم لدات: متساويات في السن والحسن والجمال، يحب بعضهن بعضا، فلا تباغض ولا غيرة عندهن في نفوسهن.
وهذا المذكور من صفات الجنان: هو الذي وعد الله به تعالى عباده المتقين، وهو الجزاء الأوفى الذي وعدوا به، وأجّل ليوم الحساب في الآخرة، بعد البعث والنشور من القبور.
وصفة هذا النعيم: الدوام، فهذا الذي أنعمنا به عليكم لرزق دائم لا انقطاع له ولا فناء أبدا، كما جاء في آيات أخرى، منها: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: ١٦/ ٩٦]. ومنها: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١١/ ١٠٨] ومنها: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٨٤/ ٢٥] أي غير منقطع. ومنها: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ [الرعد: ١٣/ ٣٥].
إن الترغيب بالنعيم محبّب لدى النفوس البشرية، مما يجعلهم طامعين بتحصيله، حريصين على الوصول إليه، فهو من جملة البواعث والدوافع، إلى الطاعة والتأسي بالأنبياء الكرام، تنزلا في تحقيق الرغبات لمستوى طبائع البشر وتطلعاتهم، لا أن الله ناصب نفسه لتلبية الأهواء، فهذا طبع للبشر، قصد به الترغيب.
عقاب الطغاة
كلما تلا الإنسان آيات العذاب الشديد وألوان العقاب للكافرين الطغاة، اقشعر بدنه وارتعدت فرائصه، وخاف أن يناله شيء من ذلك، لشدة الوصف، وقسوة العذاب، وتصويره كأنه واقع ماثل أمامه، يراه ولا يطيق تحمله، وحدوث هذا التأثر، والتفاعل مع الوصف، يحمل المؤمن على تفادي الأسباب، والبعد عن
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي