قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى الله. . . الآية قال ابن سيرين والسُّدِّيُّ : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وقال الحسن : هو المؤمن الذي أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه، وعمل صالحاً في إجابته وقال إنَّني من المسلمين. وقالت عائشة رضي الله عنها إن هذه الآية نزلت في المؤذِّنين. وقال عكرمة : هو المؤذن. وقال أبو أمامة الباهليّ : وعمل صالحاً : ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال قيس بن أبي حازمٍ : هو الصلاة بين الأذان والإقامة١.
قوله : وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين العامة على إنني بنونين. وابن أبي عبلة وابن نوحٍ٢ بنون واحدة. قوله تعالى :«ولا السيئَةُ » في «لا » هذه وجهان :
أحدهما : أنها زائدة للتوكيد، كقوله : وَلاَ الظل وَلاَ الحرور [ فاطر : ٢١ ] وكقوله : وَلاَ المسيء [ غافر : ٥٨ ]، لأن استوى لا يكتفي بواحد.
والثاني : أنها مؤسسة غير مؤكِّدة٣ ؛ إذ المراد بالحسنة والسيئة الجنس، أي لا تستوي الحسنات في أنفسها إنها متفاوتة، ولا تستوي السيئات أيضاً، فربَّ واحدةٍ أعظم من أخرى، وهو مأخوذ من كلام الزمخشري٤، وقال أبو حيان :«إن أخذت الحسنة والسيئة جنساً لم يكن زيادتها كزيادتها في الوجه الذي قبل هذا »٥. قال شهاب الدين :«فقد جعلها في المعنى الثاني زائدة، وفيه نظر لما تقدم »٦.
فصل
قال المفسرون : المراد بالحسنة الصَّبر، وبالسيئة الغضب. وقيل : الحلم والجهل.
وقيل : العفو والإساءة٧. قال ابن الخطيب : لما حكى الله تعالى عنهم قولهم :«قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ » وإصرارهم الشديد على دينهم، وعد التأثّر بدلائل محمد صلى الله عليه وسلم ثم أطنب في الجواب عن شبهاتهم ثم رغّب محمداً صلى الله عليه وسلم في أن لا يترك الدعوة إلى الله بقوله :
إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا [ فصلت : ٣٠ ] فلهم الثواب العظيم،
٢ هو إبراهيم بن أحمد بن نوح الأصبهاني الفقيه روى القراءة عن أبي خالد النزندولاني عن قتيبة وروى عنه ابن شنبوذ. انظر غاية النهاية ١/٩، وهذه القراءة شاذة انظر البحر ٧/٤٩٧..
٣ انظر البحر المحيط ٧/٤٩٨ والكشاف ٣/٤٥٤ وقد قال بالوجهين أيضا الأخفش في معانيه ٢/٦٨٤ وقال بوجه الزيادة فقط الزجاج في معانيه أيضا ٤/٣٨٦..
٤ بالمعنى من الكشاف ٣/٤٥٤ و٤٥٥..
٥ البحر المحيط ٧/٤٩٨..
٦ الدر المصون ٤/٧٣٤..
٧ البغوي ٦/١١٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود