ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

بعد أنْ تكلم الحق سبحانه عن الكمال الذاتي للمؤمن الذي استكمل الإيمان وأعلنها: ربي الله، ثم استقام على طريقة، يقول بعد أن استقبل المؤمنُ الإيمانَ وباشرتْ حلاوتُه قلبه يفيض هذا الإيمان منه إلى غيره، وهذه مهمة من مهمات المؤمن أنْ ينقلَ الإيمان، وأنْ ينقلَ الخير إلى الغير.
المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحرص على إصلاح المجتمع من حوله، المؤمن لا يقف عند ذاته، ولا يكون أبداً أنانياً.
والحق سبحانه يمدح منزلة الدعوة إلى الله، ويجعلها أحسن ما يقول الإنسان: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ فأشرف الأعمال للذي تشبَّع قلبه بالإيمان أنْ يعدى هذا الإيمان إلى غيره، وأن ينقل له الصورة الإيمانية، فالمؤمن يصنع الخير لنفسه وللناس؛ ذلك لأن خير الناس عائد إليه أيضاً، كما أن شرَّهم لا بدَّ أنْ يناله وأنْ يصيبه من نصيب.
إذن: من مصلحتك أيها المؤمن أنْ يؤمن الناسُ، ومن مصلحتك أيها المستقيم على الجادة أنْ يستقيم الناسُ لذلك حمَّل اللهُ أمانة الدعوة إليه لكل مؤمن، لأنه سبحانه يريد أنْ يُعدَّى الإيمان ممَّنْ ذاقه إلى مَنْ لم يَذُقْه لتتسعَ رقعة الإيمان، ويعمّ الخير الجميع.
وأول عناصر الدعوة إلى الله أنْ ندعوَ إلى العقيدة أولاً وإلى الإيمان بالله، أن نقول: ربنا الله، نُقِرُّ بِها ونعلنها خالصةً بلا تردد، ثم نلفتهم إلى آيات الله في الكون، إلى الآيات الكونية إنْ كانوا لا يتأملونها، وإلى آيات المعجزات المصاحبة للرسل إنْ كانوا لا يعلمونها، ثم إلى آيات الذكر الحكيم التي تحمل منهج الله بافعل ولا تفعل.
وتأمل قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً الحق سبحانه أراد أنْ يُبيِّن لنا منزلة الدعوة إلى الله وفضل الداعية، لكن لم يأتِ بذلك في أسلوب خبري يُقرر هذه المنزلة إنما جاء بهذا السؤال وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً استفهام غرضه النفي، يعني: لا أحدَ أحسنُ من هذا الذي يدعو إلى الله، ولا قَوْلَ أحسن من قوله.
قالها الحق سبحانه في صورة سؤال لأنه سبحانه يعلم أنه لا جوابَ لها إلا أنْ نقول: لا أحدَ أحسنُ قوْلاً ممَّنْ دعا إلى الله، فجعلنا نحن نعلن هذه الحقيقة ونُقِرُّ بِها، والإقرار كما يقولون سيد الأدلة.
وأول داعية إلى الله هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل داعية من بعده يأخذ من معينه صلى الله عليه وسلم ويسير على خُطاه، ولما كان صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء فقد ترك لأمته هذه الرسالة، رسالة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فخيْر رسول الله لم ينقطع، بل ممتد في أمته من بعده، وكلُّ داعية بعده إنما يأخذ مقاماً من مقامه صلى الله عليه وسلم.
ومن رحمة الله بهذه الأمة أنْ جعل لها رادعاً من نفسها، جعل فيها فئةٌ باقية على الحق تُقوِّم المعْوج، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وسوف تظل هذه الفئة إلى يوم القيامة، لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
لذلك قال سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠].
وهذه خاصية اختصَّ الله بها أمة محمد لأنه خاتمُ الرسل؛ لذلك لن يعم الشرَّ هذه الأمة، ولن يطمَّ فيها الفساد، ففيها حصانة من ذاتها. لقد كانت الأمم السابقة يستشري فيها الفساد حتى يعمَّها، فلا يكون فيها آمر بمعروف ولا ناهٍ عن منكر، وعندها كان لا بدَّ من إرسال رسولٍ جديد، يعيد الناس إلى الطريق المستقيم.
أما أمة محمد فلن يأتي فيها رسول جديد، لذلك جعل الله فيها هذه الحصانة، وجعلها خليفة لرسول الله في الدعوة إلى الله، وجعلها أمينة على هذه الدعوة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الخيرُ فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة".
وقد بيَّن الله تعالى أن الرسول سيشهد أنه بلَّغ أمته هذه الدعوة، وهذه الأمة ستشهد أنها بلَّغت دعوة رسولها إلى كلِّ الأمم، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣].
فشهادتنا على الأمم دليلٌ على أن الخير بَاقٍ فينا ولن ينقطع أبداً.
وقد حثَّنا رسولنا صلى الله عليه وسلم على حمل هذه الأمانة ورغَّبنا فيها حين قال صلى الله عليه وسلم: "نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ مُبلِّغ أوْعَى من سامع".
والدعوة إلى الله مجال واسع يكون بالقول وبالفعل وبالقدوة الحسنة، يكون ببيان العقائد والعبادات والأحكام للناس بأسلوب شيق ممتع جذاب، لا يُنفِّر الناس، ولا يذهب بهم إلى يأس أو قنوط من رحمة الله.
الدعوة إلى الله فَنٌّ، اقرأ قوله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ.. [آل عمران: ١٥٩].
أين دعاتنا من قوله تعالى: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. [النحل: ١٢٥].
لا بدَّ أنْ نعلم أنَّ الدعوة إلى الله ليستْ مهمة علماء الدين المختصين فحسب، إنما مهمة كل مسلم في كل زمان وفي كل مكان، كُلٌّ في مجال عمله يستطيع أنْ يكون داعيةً، نعم داعية بفعله والتزامه وتفانيه وإخلاصه.
لقد أجمع علماء الأمة على أن الإسلام ما انتشر بحدِّ السيف، وما انتشر بالقوة بقدر ما انتشر بسيرة المسلمين الطيبة، وما تحلَّوْا به من تسامح وحُبٍّ للآخرين، ولنا فيهم قدوة.
الدعوة إلى الله مهمة كل مسلم ذاق حلاوة الإيمان ولذة التكاليف وأحبَّ للناس ما يحب لنفسه من الخير فينقله إليهم، والحق سبحانه ساعة يُكلِّفنا بالخير لا يترك أحداً ولا يحرم أحداً أنْ يكونَ له نصيبٌ من هذا الخير... هناك قضية تتعلق بالدعوة إلى الله، هي أن الإنسان منَّا قد يكون عاصياً لربه في ناحية ما، فهل يمنعه هذا العصيان أنْ يكون داعية إلى الله؟ قالوا: ينبغي ألاَّ تمنعك المعصية عن الدعوة، فلعلَّ الذي تدعوه يفعل ما لم تفعله أنت، ولعل هذه عملية جَبْر لما فيك من نقص.
يُحكَى أن رجلاً كان يطوف بالبيت، فسمع آخرَ يقول: اللهم إنك تعلم أنّي عاصيك ولكنِّي أحب مَنْ يطيعك، فاجعل اللهم حُبِّي لمن أطاعك شافعاً في معصيتي.
قالوا: حتى الذي يتكاسل عن الصلاة لا يمنعه ذلك من أن يدعو غيره إلى الصلاة، لأنها خير يشيعه في الناس لن يُحرَم أجره، فكل مَنْ أشاع خيراً له [أجر] عند الله، وهكذا لا يخلو مخلوق من أنْ يصيبه فضل الله الواسع، ولا يخلو مخلوق من خصلةِ خيرٍ لذاته أو لغيره، وهذه الإشاعة للخير في ذاتها دعوة إلى الله.
وقوله: وَعَمِلَ صَالِحاً.. يعني: دعا إلى الله بالقول ثم بالفعل، ودائماً ما يقرن القرآن بين القول والعمل، وعرفنا أن قدوةَ الفعل أعظمُ أثراً في النفوس من قدوة الكلام، وليس من الصواب أنْ تدعو الناس إلى شيء وأنت عنه بنجوى، يقول تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]... وقوله تعالى: وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ هذا إعلانٌ يعلنه المسلم ويفخر به، وسام على صدره، أنا مسلم، وإسلامي هو المنطلق الذي من خلاله تكون حركتي في الحياة، وهذه في حَدِّ ذاتها دعوةٌ إلى الله ونشرٌ لدين الله وإعلاءٌ لكلمة الله حين لا تنشغل بنفسك إنما تنشغل بدينك.
فإنْ أنجزتَ عملاً تنسبه إلى دين الله، تقول: لأن الله أمرني، فترفع دينَ الله عند الناس ولا تهتم بذاتك الفاعلة، وحين ترفع دين الله ثِقْ أنه رافعك معه.
إذن: فمن صفات المؤمن أنْ ينسبَ خيره وصلاحه لدينه وإسلامه.
لذلك نقف كثيراً عند قول قارون لما أعطاه الله المال والجاه والسلطان، فقال: إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ.. [القصص: ٧٨] فردَّ الله عليه: ما دمتَ أوُتيته على علم عندك فاحفظه بعلمك، وكانت النتيجة فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ.. [القصص: ٨١] فحين تصل إلى ابتكار أو اختراع أو صلاح في الكون فاجعله من منطلق الدين والمنهج، انسبه إلى دينك...
قلنا: إن العمل إما أن يكون لله، وإما أن يكون للناس، العمل لله شرطه الإخلاص وجزاؤك على الله في الآخرة، أما العمل للناس فيعطيك منزلة عندهم ووجاهة ورفعة، هذا جزاؤك وقد أخذته في الدنيا فلا حظَّ لك في ثواب الآخرة، فالإنسان يطلب أجره ممَّنْ عمل له.
لذلك ما سُئلْنَا عن علماء خدموا البشرية باختراعاتهم وإنجازاتهم وابتكاراتهم: هل لهم نصيب في الآخرة؟ نقول: لا ليس لهم نصيب لأنهم فعلوا للناس وللبشرية ولتقدم المجتمع، وأخذوا أجورهم صيتاً وسُمْعة وشهرة وتخليداً لذكراهم.. إلخ.
أما الله فلم يكن أبداً على بالهم حين فعلوا هذه الأشياء، واقرأوا قوله تعالى في شأن هؤلاء: وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً [الفرقان: ٢٣].
وفي موضع آخر قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩].
هكذا أعمال الكافرين في الآخرة كالسراب تحسبه شيئاً، فإذا ما ذهبتَ إليه لم تجده، وليْتَ أمرهم ينتهي عند هذا الحد إنما تفاجئهم الحقيقة التي طالما أنكروها في الدنيا
وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ.. [النور: ٣٩] نعم الله الذي أنكره أو كفر به يُوقفه ويحاسبه: أنت فعلتَ: ليقال وقد قيل فلا أجرَ لك عندي، ويبقى لك جزاء كفرك وعنادك.
إذن: نقول: ساعة تعلن أنك تعمل وتبتكر من منطلق إسلامك. ساعة تقول عملت لأنني مسلم، تُعلي شأن الإسلام وتلفت غير المسلمين إلى جمال هذا الدين، وأنت في ذلك داعية إلى الله، أنت على نهج نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فإنْ قابلتْكَ بعضُ الصعاب فاصبر، لأن رسولك أُوذِي في سبيل دعوته فصبر.
فالذي يحمل أمانة الدعوة ويعلنها: أنا مسلم، وإسلامي هو الضابط لكل حركاتي في الحياة ويصيبه سوءٌ يعلم أنه أخذ طرفاً من ميراث النبوة، فما من نبي إلا أوذي وكان له أعداء، فلا بدَّ لحَمَلة هذه المسئولية أنْ يكون لهم أعداء، وأنْ يُشتموا وأن تُكال لهم التهم، هذا أمر طبيعي في مسيرة الدعوة إلى الله.
يقول تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً.. [الأنعام: ١١٢].
هذا يعني أن الداعية الذي يِسْلم من هذا الإيذاء ينقص حظُّه من ميراث النبوة، وحظه من تركة النبي صلى الله عليه وسلم، إذن: اصبر، وهل تابعُ محمد خيرٌ من محمد حتى يَسْلم من الأذى؟
فإذا لم يكُنْ لك أعداء في طريق الدعوة فاعلم أنك لستَ على الطريق الذي رسمه لك صاحبُ الدعوة، وعليك أنْ تراجع نفسك.
الكلام هنا عن الدعوة إلى الله بحقٍّ وتجرُّد وإخلاص، وعن الكلمة تُقال في سبيل الله لا في سبيل جاه أو سلطان أو منصب من متاع الدنيا الزائل، الدعوة إلى الله لا تكون أبداً قنطرة.
لذلك نقول: ما الذي يحمي الدعاة إلى الله الآن، وها نحن نقول بأعلى صوت ونكتب في كل وسائل الإعلام، والله هو الحامي، والحمد لله لم نُؤخذ ولم نُسْجن، ولم يتعرض لنا أحد، كثير من علماء الدين يعلنون كلمة الحق مجردة من الهوى والمصلحة، وساعة يعطي لهم الحاكم أذنه يُسمعونه من الكلام ما يرعشه، ومع ذلك نسمع عن اضطهاد رجال الدين.
ونقول: إذا اضطهد رجل الدين فلا بُدَّ أنه استعمل وسائل محرمة في الدعوة إلى الله، كهؤلاء الذين يميلون إلى حَلِّ المشاكل بالقتل والدماء، أنت على خلاف مثلاً مع وزير من الوزراء تضربه بالنار؟ هل هذا هو الحل؟ وما ذنب الحراس الذين تُهدر دماؤهم وتُيتَّم أطفالهم؟
أنت صاحب كلمة، قُلْ ما شئتَ وأصلح بالكلمة الطيبة، أسمعهم ما يكرهون، وسبق أنْ قلنا لهم ما لم يستطع أحدٌ أن يقوله عندهم، لأن الشجاعة الإيمانية في الدعوة إلى الله ليستْ كلمة حَقٍّ تُقال على سلطان، إنما كلمة حق تقال عند سلطان جائر، نعم عنده في حضوره.
وهذا تطبيق عملي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
نحن لا نتاجر بالكلمة، إنما نواجه بها كل حاكم ظالم، نقول له: نحن لا نكرهك ولا نطمع فيما في يدك من الحكم، بل نحن نحبك ونريد أنْ نعينك على مهمتك، فقط نريد منك أنْ تحكمنا بالإسلام، أريد أنْ أُحْكَم بالإسلام، لا أن أُحكُمَ بالإسلام.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير