ينادون من مكان بعيد : كناية عن عدم استماعهم ؛ لأن المرء لا يسمع صوت من يدعوه إذا كان الداعي بعيد جدا عنه.
وعلى كل حال ففي الآيات صورة من صور الجدل الذي كان يدور حول القرآن بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والكفار المكابرين :
فالذين كابروا في آيات الله الماثلة في الكون هم الذين كابروا أيضا في القرآن لما جاءهم وحاولوا التشويش عليه وهو الكتاب المنيع العلي المعتد الذي لا يرام والذي لا يأتيه الباطل والتحريف من أي جهة لأنه تنزيل من الله الحكيم الذي يفعل ما يفعل على غاية من الصواب والإحكام ويستوجب على كل ما يفعل الحمد والثناء. وما يقوله الكفار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قاله أمثالهم للرسل من قبله، وإن الله لرقيب عليهم وهو ذو العقاب الأليم كما هو ذو المغفرة الواسعة لمن يستحقها.
ولو أنزل الله القرآن بلسان غير عربي لاعترض الكفار أيضا وتساءلوا عن عدم تفصيل آياته بلسان يفهمونه فكيف يكون قرآنا عربيا وأعجميا في آن واحد.
وعلى النبي أن يعلن – ردا على ما يقولونه – أن القرآن هو هدى وشفاء للذين آمنوا وصدقوا وحسنت نياتهم وصفت طواياهم ورغبوا في الحق في حين أن الكافرين لن ينتفعوا به لأن في آذانهم صمما وفي عيونهم ظلمة أو كأنهم ينادون من مكان بعيد فلا إمكان لإسماعهم النداء.
ولقد كان هذا شأن الناس تجاه الكتاب الذي آتاه الله موسى عليه السلام، فقد اختلفوا فيه بين مصدق ومكذب.
والله قادر على أن يقضي بين الناس قضاء عاجلا فيمحق الكافرين المكذبين وينجي المصدقين المؤمنين، ولكن حكمته اقتضت تأجيل هذا القضاء إلى يوم القيامة الذي هو آت لا ريب فيه.
والفقرة الأخيرة من الآية الأخيرة تحتمل أن تكون في صدد القرآن أو في صدد يوم القيامة أو في صدد كتاب موسى، وفيها تقرير بأنهم غير متثبتين فيما يشكون وهم في ريب منه.
والوصف الذي وصف به الذين لا يؤمنون بالقرآن في الآية [ ٤٤ ] هو بقصد وصف شدة عنادهم ومكابرتهم، وقد تكرر في المناسبات المماثلة بهذا القصد ومر من ذلك أمثلة في السورة السابقة. ولقد قال بعض المفسرين : إن جملة ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته بمعنى أنه لو أنزل القرآن أعجمي اللغة لاعترضوا أيضا وقالوا كيف ينزل قرآن أعجمي على رسول عربي ؟ ومع أن هذا لا يخلو من وجاهة فإن ما أوردناه في الشرح هو الذي تبادر لنا أنه الصواب. والله أعلم
تعليق على جملة
ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته
والآية [ ٤٤ ] تلهم أن الكفار كانوا يتساءلون عن سبب عدم وحدة اللغة بين القرآن والكتب السماوية الأولى ما دامت كلها من عند الله. وكانوا يعرفون أن الكتب السابقة بلغة غير عربية، ومن المحتمل أن يكون هذا التساؤل إذا صح استلهامنا إن شاء الله قد وقع منهم في معرض التحدي والطعن والتكذيب. فردت الآيات ردا فيه تسفيه قوي مفحم للمكابرة التي دفعتهم إلى هذا التساؤل. ومن المحتمل أن يكون هذا قد وقع في مواجهة جدلية فنزلت الآيات بسبيل حكاية ما وقع الرد عليه. كما أن من المحتمل أن يكون هذا مما كانوا يتقولونه في مختلف المواقف على سبيل التحدي والمكابرة، وهو ما نرجحه بدليل آيات وردت في سورة الشعراء التي سبق تفسيرها، فيها شيء ما مما في هذه الآية وهي : ولو نزلناه على بعض الأعجمين ( ١٩٨ ) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ( ١٩٩ ) وقبل هذه الآيات جاءت الآيات [ ١٩٣ – ١٩٥ ]، تقرر أن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين، كأنما احتوت تعليلا لإنزاله باللسان العربي دون اللسان الأعجمي.
وفي سورة إبراهيم التي نزلت بعد هذه السورة بمدة ما آية جاء فيه وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه حيث يمكن أن يكون قد بدأ اعتراض آخر مماثل منهم فاقتضت حكمة التنزيل أنزل هذه الآية محتوية على توكيد آخر لهذا التعليل، وحيث يمكن أن فيها تدعيم لما استلهمناه من الآية التي نحن في صددها.
ولقد قال بعض المفسرين : إن الجمة بمعنى أنه لو نزل القرآن أعجمي اللغة لاعترضوا أيضا وقالوا : كيف ينزل.
التفسير الحديث
دروزة