[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٤٩ الى ٥١]
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١)تفسير المفردات
لا يسأم: أي لا يملّ، والخير: المال والصحة والعزة والسلطان ونحوهما، والشر:
الفقر والمرض ونحوهما، واليأس: انقطاع الرجاء من حصول الخير، والقنوط: (بالفتح) من اتصف بالقنوط (بالضم) وهو ظهور أثر اليأس على الإنسان من المذلة والانكسار، والرحمة هنا: الصحة وسعة العيش، والضراء: المرض وضيق العيش ونحوهما، هذا لى:
أي هذا ما استحقه لما لى من الفضل والعمل، والحسنى: الكرامة، والغليظ هنا:
الكثير، نأى بجانبه: أي تكبر واختال، وعريض: أي كثير مستمر يقولون أطال فى الكلام، وأعرض فى الدعاء: إذا أكثر.
المعنى الجملي
بعد أن أبان سبحانه حال الكافرين فى الآخرة، وذكر أنهم حينئذ يتبرءون من الشركاء بعد أن كانوا معترفين بهم فى الدنيا- أردف ذلك بيان أن الإنسان متبدّل الأحوال، متغير الأطوار، إن أحسّ بخير وقدرة انتفخت أوداجه وصعّر خديه ومشى الخيلاء، وإن أصابته محنة وبلاء تطامن واستكان ويئس من الفرج، وهذا دليل على شدة حرصه على الجمع، وشدة جزعه من الفقد، إلى ما فيه من طيش يتولد عنه إعجابه واستكباره حين النعمة، وتطامنه حين زوالها، وذلك مما يومىء بشغله بالنعمة عن صفحة رقم 6
المنعم فى حالى وجودها وفقدها، أما فى حال وجودها فواضح، وأما فى حال فقدها فلأن التضرع جزعا إنما كان على الفقد الدالّ على الشغل عن المنعم بالنعمة.
الإيضاح
(لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) أي لا يمل الإنسان من دعائه ربه ومسألته إياه أن يؤتيه صحة وعافية وسعة فى الرزق، فهو مهما أوتى من المال فهو لا يقنع، وقد جاء فى الأثر «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال»
وجاء أيضا «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثا».
(وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ) أي وإن أصابه بؤس وضيق فى المال أو ابتلى بمرض أنهك قواه واضمحلّ به جسمه- يئس من فضل الله ورحمته، وظهر عليه سيمى الذل والانكسار، والخنوع والخضوع.
وخلاصة ذلك- إن الإنسان متبدل الأحوال، متغير الأطوار، إن أحس بخير بطر وتعظم، وإن شعر ببؤس ذل وخضع، فهو شديد الحرص على الجمع، شديد الجزع على الفقد.
ثم ذكر حال هذا اليئوس القنوط فقال:
(١) (وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي) أي ولئن كشفنا ما أصابه من سقم فى نفسه أو شدة وجهد فى معيشته، فوهبنا له العافية بعد السقم، والغنى بعد الفقر- ليقولن هذا حقى قد وصل إلىّ، لأنى أستوجبه بما حصل لى من ضروب الفضائل وأعمال البر والقرب من الله، لا تفضل منه علىّ- أو لا يعلم أن هذه الفضائل لو وجدت فإنما هى بفضل الله وإحسانه، وهو لا يستحق على الله شيئا؟
(٢) (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً) أي وما أظن الساعة ستقوم، فلا رجعة ولا حساب
ولا عقاب على شىء من الآثام التي يقترفها الإنسان فى دنياه، ويجترمها مدى حياته الدنيوية.
وما نتج هذا إلا من شدة رغبته فى الدنيا، وعظيم نفرته من الآخرة، فهو حين ينظر إلى أحوال الدنيا يقول: إنها لى وأنا جدير بها، لما لى من فضل به استحققتها، وحين ينظر إلى أحوال الآخرة يقول: وما أظن الساعة قائمة.
(٣) (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) أي وإن الغالب على ظنى أن لا رجعة ولا بعث ولا قيامة، ولئن كان البعث حقا فإن لى عنده لكرامة فى الآخرة، فإن حالها كحال الدنيا، فما استحققته من النعيم فيها سيكون لى مثله فى الآخرة.
وبعد أن حكى عنهم هذه الأقوال ذكر أنه سيظهر لهم أن الأمر بعكس ما يظنون، وبضد ما يعتقدون فقال:
(فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) أي فلنخبرن هؤلاء الكافرين يوم يرجعون إلينا بما عملوا من المعاصي، واجترحوا من الآثام، وما دسّوا به أنفسهم من الخطايا، ثم لنجازينّهم عليها، فيستبين لهم أنهم جديرون بالإهانة والاحتقار لا بالكرامة والإحسان، ولنذيقنهم عذابا غليظا لا يمكنهم الفكاك منه وهو عذاب جهنم التي لا موت فيها ولا يجدون عنها حولا.
وبعد أن حكى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه فى الجهد الجهيد- حكى أفعاله فقال:
(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ) أي وإذا نحن أنعمنا عليه فكشفنا عنه المرض ووهبنا له الصحة والعافية ورزقناه سعة العيش- أعرض عما دعوناه إليه من طاعتنا، واستكبر عن الانقياد لأمرنا.
ثم ذكر أنه حين الضراء يكون على عكس هذا فيتضرع ويبتهل إلى ربه فقال:
(وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ) أي وإذا أصابته شدة من فقر ومرض ونحوهما
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي