تفسير المفردات : البغي : الظلم ومجاوزة الحد في كل شيء، لقضي بينهم : أي باستئصال المبطلين حين تفرقوا.
المعنى الجملي : بعد أن عظم وحيه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبان ماله من كبير الخطر حين نسبه إليه تعالى، وأنه صادر من عزيز حكيم لا يوحي إلا بما فيه مصلحة البشر ومنفعتهم في دينهم ودنياهم – ذكر هنا تفصيل هذا الوحي، وأرشد إلى أنه هو الدين الذي وصى به أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ؛ وأردف ذلك أن المشركين يشق عليهم دعوتهم إلى التوحيد وترك الأنداد والأوثان، وأن الله يهدي من يشاء من عباده لهدى دينه، وأنهم ما خالفوا الحق إلا بعد إبلاغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وأنه ما حملهم على ذلك إلا البغي والعدوان والحسد، وأنه لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار المشركين بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة في الدنيا، وأن من اعتنقوا الأديان من بعد الأجيال الأولى ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك مريب وشقاق بعيد.
الإيضاح : ثم أجاب عن سؤال قد يخطر بالبال، لماذا صار الناس متفرقين في الدين مع أنهم أمروا بالأخذ به وعدم التفرق فيه فقال :
وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم أي وما تفرقت الأمم إلا من بعد ما علموا أن الفرقة ضلالة، وقد فعلوا ذلك بغيا وطلبا للرياسة، وللحمية حمية الجاهلية التي جعلت كل طائفة تذهب مذهبا وتدعو إليه وتقبح ما سواه، طلبا للأحدوثة بين الناس والسيطرة عليهم.
والخلاصة : إن الأمم قديمها وحديثها أمروا باتفاق الكلمة وإقامة الدين وبلغهم أنبياؤهم ذلك، وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بذلك، بغيا وحسدا، وعنادا، وحبا للرياسة، فدعت كل طائفة إلى مذهب، وأنكرت ما عداه.
ثم ذكر أن هؤلاء كانوا يستحقون العذاب المعجل على سوء أفعالهم، ولكن حكمته تعالى اقتضت تأخيره ليوم معلوم فقال :
ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم أي ولولا الكلمة السابقة من ربك بإنظار حسابهم وتأخيره إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعا بما دسوا به أنفسهم من كبير الآثام وقبيح المعاصي.
ثم ذكر أن تفرقهم في الدين باق في أعقابهم مضافا إليه الشك في كتابهم مع انتسابهم إليه فقال :
وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب أي وإن أهل الكتاب الذين كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم وورثوا التوراة والإنجيل عن السابقين لهم في شك من كتابهم، إذ لم يؤمنوا به حق الإيمان، فهم مقلدون أسلافهم بلا حجة ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك أقض مضاجعهم، وأوقعهم في اضطراب وقلق.
وقصارى ذلك : إنهم تفرقوا بعد العلم الذي حصل من النبي المبعوث إليهم المصدق لكتابهم، لأنهم شكوا في كتابكم فلم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه من أمر ونهي.
تفسير المراغي
المراغي