ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

عليه، وتقتير على من يقتر عليه، ومن الذي يصلحه البسط فى الرزق، ومن الذي يفسده، ومن الذي يصلحه التقتير، ومن الذي يفسده، لا يخفى عليه شىء من ذلك، فيفعل كل ذلك على مقتضى حكمته الكاملة، وقدرته الواسعة، وعلمه المحيط.
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٣ الى ١٤]
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
تفسير المفردات
أقيموا الدين: أي حافظوا عليه، ولا تخلّوا بشىء من مقوّماته، والمراد بالدين دين الإسلام، وهو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله، واليوم الآخر، وسائر ما يكون به العبد مؤمنا، ولا تتفرقوا فيه: أي ولا تختلفوا فيه، فتأتوا ببعض وتتركوا بعضا، كبر: أي عظم وشق عليهم، يجتبى: أي يصطفى، ينيب: أي يرجع، والبغي: الظلم ومجاوزة الحد فى كل شىء، لقضى بينهم: أي باستئصال المبطلين حين تفرقوا.
المعنى الجملي
بعد أن عظم وحيه إلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأبان ماله من كبير الخطر حين نسبه إليه تعالى، وأنه صادر من عزيز حكيم لا يوحى إلا بما فيه مصلحة البشر ومنفعتهم

صفحة رقم 23

فى دينهم ودنياهم- ذكر هنا تفصيل هذا الوحى، وأرشد إلى أنه هو الدين الذي وصى به أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة وأردف ذلك أن المشركين يشقّ عليهم دعوتهم إلى التوحيد وترك الأنداد والأوثان، وأن الله يهدى من يشاء من عباده لهدى دينه، وأنهم ما خالفوا الحق إلا بعد إبلاغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وأنه ما حملهم على ذلك إلا البغي والعدوان والحسد، وأنه لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار المشركين بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة فى الدنيا، وأن من اعتنقوا الأديان من بعد الأجيال الأولى ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم فى حيرة من أمرهم، وشك مريب وشقاق بعيد.
الإيضاح
(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى) أي شرع لكم من الدين ما شرع لنوح ومن بعده من أرباب الشرائع وأولى العزم من الرسل، وأمرهم به أمرا مؤكدا وتخصيص هؤلاء الأنبياء بالذكر، لعلوّ شأنهم وعظيم شهرتهم، ولاستمالة قلوب الكفار إلى أتباعه، لاتفاق كلمة أكثرهم على نبوّتهم، واختصاص اليهود بموسى عليه السّلام، والنصارى بعيسى عليه السّلام- وإلا فكل نبى مأمور بما أمروا به من إقامة دين الإسلام وهو التوحيد، وأصول الشرائع والأحكام مما لا يختلف باختلاف الأعصار كالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة واكتساب مكارم الأخلاق وفاضل الصفات.
وفى الآية إيماء إلى أن ما شرعه لهم صادر عن كامل العلم والحكمة، وأنه دين قديم أجمع عليه الرسل، وما أوحاه إليه هو إما ما ذكر فى صدر السورة، وفى قوله: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا) الآية.

صفحة رقم 24

وإما ما يعمهما وغيرهما مما وقع فى سائر المواضع التي من جملتها قوله تعالى:
«ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً» وقوله: «إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ».
ثم فصل ما شرعه بقوله:
(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) أي اجعلوا هذا الدين وهو دين التوحيد والإخلاص لله قائما دائما مستمرا، واحفظوه من أن يقع فيه زيغ أو اضطراب، ولا تتفرقوا فيه، بأن تأتوا ببعض وتتركوا بعضا، أو بأن يأتى بعض منكم بهذه الأصول التي شرعت لكم ويتركها بعض آخر.
والنهى إنما هو عن التفرق فى أصول الشرائع، أما التفاصيل فلم يتحد فيها الأنبياء كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً».
والخلاصة- إننا شرعنا لكم ما شرعنا للأنبياء قبلكم، دينا واحدا فى الأصول وهى التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرب بصالح الأعمال، كالصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحرّمنا عليكم الزنا، وإيذاء الخلق، والاعتداء على الحيوان- فكل هذا قد اتحد فيه الرسل وإن اختلفوا فى تفاصيله.
(كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) أي شق على المشركين دعوتهم إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام والأوثان، وتقريعهم على ذلك، لأنّهم توارثوا ذلك كابرا عن كابر ونقلوه عن الآباء والأجداد كما حكى سبحانه عنهم بقوله: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» وبعد أن أرشد المؤمنين إلى التمسك بالدين- ذكر أنه إنما هداهم إلى ذلك، لأنه اصطفاهم من بين خلقه فقال:
(اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي الله يصطفى من يشاء من عباده ويقربهم إليه تقريب الكرامة، ويوفّق للعمل بطاعته واتباع ما بعث به

صفحة رقم 25

نبيه عليه من الحق- من راجع التوبة من معاصيه، وهذا كما
روى فى الخبر «من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا، ومن أتانى يمشى أتيته هرولة»
أي من أقبل إلىّ بطاعته أقبلت إليه بهدايتى وإرشادى، بأن أشرح له صدره، وأسهّل له أمره.
ثم أجاب عن سؤال قد يخطر بالبال، لماذا صار الناس متفرقين فى الدين مع أنهم أمروا بالأخذ به وعدم التفرق فيه فقال:
(وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) أي وما تفرقت الأمم إلا من بعد ما علموا أن الفرقة ضلالة، وقد فعلوا ذلك بغيا وطلبا للرياسة، وللحميّة حمية الجاهلية التي جعلت كل طائفة تذهب مذهبا وتدعو إليه وتقبح ما سواه، طلبا للأحدوثة بين الناس والسيطرة عليهم.
والخلاصة- إن الأمم قديمها وحديثها أمروا باتفاق الكلمة وإقامة الدين وبلّغهم أنبياؤهم ذلك، وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بذلك، بغيا وحسدا، وعنادا، وحبا للرياسة، فدعت كل طائفة إلى مذهب، وأنكرت ما عداه.
ثم ذكر أن هؤلاء كانوا يستحقون العذاب المعجل على سوء أفعالهم، ولكن حكمته تعالى اقتضت تأخيره ليوم معلوم فقال:
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ... لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي ولولا الكلمة السابقة من ربك بإنظار حسابهم وتأخيره إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة فى الدنيا سريعا بما دسّوا به أنفسهم من كبير الآثام وقبيح المعاصي.
ثم ذكر أن تفرقهم فى الدين باق فى أعقابهم مضافا إليه الشك فى كتابهم مع انتسابهم إليه فقال:
(وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) أي وإن أهل الكتاب الذين كانوا فى عهده صلّى الله عليه وسلّم وورثوا التوراة والإنجيل عن السابقين لهم فى شك من كتابهم، إذ لم يؤمنوا به حق الإيمان، فهم مقلدون أسلافهم بلا حجة ولا برهان، وهم فى حيرة من أمرهم، وشك أقضّ مضاجعهم، وأوقعهم فى اضطراب وقلق.

صفحة رقم 26

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية