٩- استدلّ الله تعالى على قدرته الفائقة بأنه خالق السموات والأرض من العدم، وخالق الزوجين الذكر والأنثى من الناس والأنعام، وأنه ليس مثله شيء في ذاته وصفاته من عظمته وكبريائه وقدرته وملكوته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبّه به، وهو الذي يملك مفاتيح السموات والأرض ويملك الخزائن، وهو الرّازق الذي يرزق من يشاء بغير حساب، وهو بكلّ شيء عليم.
وفي الجملة: هو الموصوف بكل كمال، المنزّه عن كل نقصان، الخالق لكل المخلوقات، المتصرّف في هذا الكون كله.
والمقصود من إيراد هذه الصفات بيان أن الأصنام لا تتصف بشيء منها، فلا تكون أهلا للعبادة.
وحدة الأديان في أصولها
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ١٣ الى ١٤]
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)
الإعراب:
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ منصوب على البدل من مفعول شَرَعَ أو مرفوع على الاستئناف، كأنه جواب سؤال تقديره: وما ذلك المشروع؟ أو مجرور على البدل من هاء بِهِ.
المفردات اللغوية:
شَرَعَ لَكُمْ أوضح وبيّن وسنّ الشريعة. ما وَصَّى بِهِ نُوحاً أي ما أمر به نوحا.
ونوح: أول أنبياء الشريعة، واستعمل وَصَّى بمعنى (أمر) للاعتناء بشأن المأمور به وتأكيده،
أي شرع لكم من الدّين دين نوح ومحمد ومن بينهما عليهم السّلام من أرباب الشرع، وهو الأصل المشترك فيما بينهم، المفسّر بقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي حافظوا عليه، والدّين: هو التوحيد والإيمان بما يجب تصديقه، والطاعة في أحكام الله أي توحيد الله وطاعته، وهو الإسلام بالمعنى العام. وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ولا تختلفوا في هذا الأصل، أما فروع الشرع فيمكن أن تختلف، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة ٥/ ٤٨].
كَبُرَ عظم وشقّ عليهم. ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد. يَجْتَبِي إِلَيْهِ يصطفي ويختار، وضمير إليه عائد على ما تدعوهم إليه، أو على الدّين. وَيَهْدِي إِلَيْهِ بالإرشاد والتوفيق. مَنْ يُنِيبُ يقبل ويرجع إلى طاعته.
وَما تَفَرَّقُوا أي أهل الأديان في الدّين، بأن وحّد بعض، وكفر بعض. الْعِلْمُ اليقين بالتوحيد أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم يلتفتوا إليها. بَغْياً أي ظلما وتجاوزا للحدّ من الكافرين. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بالإمهال وتأخير الجزاء. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بتعذيب الكافرين المبطلين في الدنيا، حين افترقوا. وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين كانوا في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم. لَفِي شَكٍّ مِنْهُ لفي حيرة من أمرهم وكتابهم الذي لم يؤمنوا بحقيقته. مُرِيبٍ مقلق موقع في الرّيبة، شديد الرّيب والشكّ.
المناسبة:
بعد أن عظّم الله تعالى وحيه إلى نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم بقوله: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ... وبعد أن عدّد تعالى نعمه على الناس، فصّل أمر الوحي، وذكر نعمته العامة وهو ما شرع لهم من العقيدة المتفق عليها من توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وبكتبه وباليوم الآخر والجزاء فيه، وذكر أن المشركين يشقّ عليهم دعوتهم إلى التوحيد وترك الأوثان، وأنهم ما اختلفوا إلا بعد قيام الحجة عليهم، وهم متأثرون ببواعث البغي والعدوان والحسد، وأنه لولا القضاء الإلهي السابق بإمهالهم وتأخير عذابهم، لعجلت لهم العقوبة في الدنيا.
التفسير والبيان:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي بيّن وأوضح لكم من الدّين أيها المسلمون ما أمر به وشرع لنوح أول الرّسل بعد آدم عليهما السلام من التوحيد وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرّسل وتوافقت عليها الكتب، وما أوحى به إلى النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم خاتم النّبيين من القرآن وشرائع الإسلام ونبذ الشرك، وما أمر به إبراهيم وموسى وعيسى مما تطابقت عليه الشرائع، أن حافظوا على الدّين (وهو توحيد الله والإيمان به، وطاعة رسله وقبول شرائعه) ولا تختلفوا في هذه الأصول التشريعية، فإن هذه الأصول لا ينبغي ولا يصح الخلاف في مثلها.
والخلاصة: شرعنا لكم في هذه الشريعة ما اتفقت عليه الشرائع والأديان كلها في أصول العقيدة من الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر والملائكة، وأصول العبادة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة الله، قال مجاهد: «لم يبعث الله نبيّا قط إلّا وصّاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم». وكذا أصول الأخلاق وأسس الفضائل كالصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الزنى والسرقة والاعتداء على الأموال والنفوس. ووصّى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم السلام بالائتلاف والجماعة.
ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.
وأساس الدين الذي جاءت به الرّسل كلّهم: هو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال عزّ وجلّ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء ٢١/ ٢٥].
وجاء في الحديث الثابت الذي أخرجه
أحمد والشيخان وأبو داود عن أبي هريرة: «الأنبياء أولاد علات «١»، أمهاتهم شتى ودينهم واحد»
أي أن القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له. أما اختلاف الأديان في الشعائر الفرعية وأنواع العبادات وتفاصيلها ومناهجها المختلفة من شريعة إلى أخرى، فهذا لا شيء فيه، وإنما اقتضاه التّطور ومراعاة الحاجات والمصالح، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة ٥/ ٤٨].
وهذه الآية انتظمت ذكر الرّسل الخمسة أولي العزم: وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصّلاة والسّلام. وإنّما خصّهم بالذّكر، لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة.
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أي عظم وشقّ على المشركين دعوتهم إلى توحيد الإله ورفض الأصنام والأوثان، وأنكروا واشتدّ عليهم: أن لا إله إلا الله وحده، وأبى الله إلا أن ينصرها.
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ أي إن الله يختار لتوحيده والدّخول في دينه من يشاء من عباده، ويوفّق لدينه وعبادته من يرجع إلى طاعته ويقبل إلى عبادته. وهذا يبيّن فضل الله على عبادة المؤمنين أنه هداهم لدينه، بعد أنّ أمرهم بالتّمسك بالدّين القديم الذي أجمع عليه الرّسل.
وسبب التّفرق في الدّين بالرغم من وحدته، هو ما قال تعالى:
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ أي ما تفرّق أتباع الأديان في اتّباع الحقّ إلّا بعد قيام الحجة عليهم، وبعد ما علموا أن الفرقة ضلالة، وما حملهم على ذلك إلا العناد والمشاقة والبغي بينهم بطلب الرّياسة، وشدّة الحمية، والحفاظ على مراكز النّفوذ والمكاسب المادية.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي ولولا القضاء السابق من ربّك بتأخير العقوبة والحساب إلى يوم المعاد، لعجّل عليهم العقوبة في الدنيا سريعا، بسبب ما اقترفوا من آثام عظام.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ أي وإن لجيل المتأخّر من أهل الكتاب الذين توارثوا التوراة والإنجيل عمن سبقهم لفي شكّ من كتابهم ودينهم وإيمانهم، وهو شكّ مقلق موقع في الرّيب بشدة، لأنّهم لم يتّبعوا الحق، وإنّما قلّدوا رؤساء الدّين المتأخرين الذين صوّروا لهم الدّين بصورة مغايرة لحقيقته الأولى، واتّبعوا الآباء والأسلاف بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، ولذلك لم يؤمنوا برسالة خاتم الأنبياء، وأصبحوا مكذّبين القرآن ومحمدا صلّى الله عليه وسلّم الذي صدّق كتابهم في أصله الأوّل.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١- إن الرّسالات السماوية متحدة في أصولها، وإن اختلفت في فروعها.
٢- شرع الله لأمة الإسلام ما شرع لقوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السّلام، من توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وباليوم الآخر، وغيرها من أصول العقيدة والعبادة والأخلاق.
أما أحكام الشرائع التي هي متبدلة متغيرة بحسب أحوال الأمم ومصالح الأقوام، فهي مختلفة متفاوتة، وهذا أمر حسن يتناسب مع الأحوال والبيئات والظروف، فالمشرع كامل العلم والحكمة، والإسلام دين قديم أجمع عليه الرّسل، والشرائع قسمان: منها ما لا نسخ فيه، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان، كحسن الصدق والعدل والإحسان، وقبح الكذب والظلم والإيذاء، ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان. والشرع حريص على القسم الأول باعتباره الجوهر أكثر من حرصه على القسم الثاني.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي