قَوْله تَعَالَى: وَالَّذين يحاجون فِي الله أَي: يُخَاصِمُونَ فِي الله، وَقد بَيْننَا حجتهم الَّتِي تعلقوا بهَا، والمخاصمة فِي الله أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: نَحن أولى بِاللَّه مِنْكُم، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم.
صفحة رقم 69
من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حجتهم داحضة عِنْد رَبهم وَعَلَيْهِم غضب وَلَهُم عَذَاب شَدِيد (١٦) الله الَّذِي أنزل الْكتاب بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان وَمَا يدْريك لَعَلَّ السَّاعَة قريب (١٧)
وَقَوله: {من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ أَي: من بعد مَا اسْتَجَابَ الْمُؤْمِنُونَ للرسول.
وَقَوله: حجتهم داحضة أَي: بَاطِلَة.
وَقَوله: عِنْد رَبهم وَعَلَيْهِم غضب وَلَهُم عَذَاب شَدِيد قد بَينا من قبل. فَإِن قيل: قد قَالَ: من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَأَي معنى لاستجابة النَّاس لَهُ فِي هَذَا الْمحل، وحجتهم داحضة سَوَاء اسْتَجَابَ لَهُ النَّاس أَو لم يَسْتَجِيبُوا لَهُ؟ وَالْجَوَاب: أَن الْكفَّار ظنُّوا أَن أَمر مُحَمَّد سيزول عَن قريب، وَيعود الْأَمر إِلَى مَا هم عَلَيْهِ، وَأَن النَّاس لَا يستجيبون لَهُ وَلَا يدْخلُونَ فِي دينه، فَذكر من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ أَي: قد استجابه النَّاس، وَبَطل ظنكم أَن أمره يَزُول عَن قريب، وَهَذَا أحسن فَائِدَة. وَفِيه قَول آخر: أَن قَوْله: من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ أَي: من بعد مَا اسْتَجَابَ الله بِمَا طلب من إِظْهَار المعجزات علبه. وَعَن بَعضهم: أَن المحاجة بِالْبَاطِلِ هِيَ نصْرَة الِاعْتِقَاد الْفَاسِد، ثمَّ نصْرَة الِاعْتِقَاد الْفَاسِد تكون على وَجْهَيْن: بإيراد شُبْهَة، وبمدافعة حجَّة من غير حجَّة.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم