قوله تعالى: بِالْحَقِّ.. الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والحق غالب لا محالة، وإنْ عَلاَ عليه الباطل في فترة من الفترات فإنما لحكمة، هي أنْ يعض الباطل الناس ليشحنهم بالحمية للحق ويُشوقهم إليه، فالعاقبة للحق مهما طال الباطل وصَالَ وجَالَ، لذلك قلنا: إن الباطل جندي من جنود الحق.
واقرأ هذه الصورة التي رسمها الحق سبحانه يوضح لنا بها الحق والباطل، يقول تعالى: أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
فالحق هو الباقي، والباطل زائل زاهق...
وقوله: (والميزان) أتى بشيء حسِّي وهو الميزان، والميزان هو أداة إقامة الحق... إذن: كلمة الميزان تعني الضوابط التي تضبط ما بين الحق والباطل نقرأ في سورة الحديد لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.. [الحديد: ٢٥] يعني: بالعدل والحق، إذن: جاء الميزان ليعطي كل ذي حق حقه، ويضبط الحقوق لأصحابها، فلا يأخذ أحدٌ أكثر من حقه، ولا يغتصب أحدٌ حقَّ الآخر، ولا يطمع فيما ليس له.
وقوله سبحانه: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ لأنهم سبق أنْ طلبوا من الرسول أن يأتي بها، كما حكى القرآن عنهم: وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأنبياء: ٣٨] طلبوها على وجه الاستهزاء والسخرية والتكذيب بها. والفعل دَرَى يدري أتى مرة بصيغة المضارع هنا وَمَا يُدْرِيكَ.. وأتى بصيغة الماضي في قوله تعالى: الْحَاقَّةُ * مَا الْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١-٣].
معنى وَمَآ أَدْرَاكَ [الحاقة: ٣] في الماضي يعني شيء قديم لم تعرفه من زمان، لكن تعرفه الآن. أما وَمَا يُدْرِيكَ.. يعني: لا أحدَ يخبرك بها إلا نحن لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ.. [الأعراف: ١٨٧]، أما صيغة المستقبل فلم تأتِ أبداً.
تفسير الشعراوي
الشعراوي