ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

ثم يخطو بهم خطوة أخرى، وهو يلفتهم إلى أن كل ما أتوه في هذه الأرض متاع موقوت في هذه الحياة الدنيا. وأن القيمة الباقية هي التي يدخرها الله في الآخرة للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. ويستطرد فيحدد صفة المؤمنين هؤلاء، بما يميزهم، ويفردهم امة وحدهم ذات خصائص وسمات !
فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وابقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم. ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور..
لقد سبق في السورة أن صور القرآن حالة البشرية ؛ وهو يشير إلى أن الذين أوتوا الكتاب تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ؛ وكان تفرقهم بغيا بينهم لا جهلاً بما نزل الله لهم من الكتاب، وبما سن لهم من نهج ثابت مطرد من عهد نوح إلى عهد إبراهيم إلى عهد موسى إلى عهد عيسى - عليهم صلوات الله - وهو يشير كذلك إلى أن الذين أورثوا الكتاب بعد أولئك المختلفين، ليسوا على ثقة منه، بل هم في شك منه مريب.
وإذا كان هذا حال أهل الأديان المنزلة، وأتباع الرسل - صلوات الله عليهم - فحال أولئك الذين لا يتبعون رسولا ولا يؤمنون بكتاب أضل وأعمى.
ومن ثم كانت البشرية في حاجة إلى قيادة راشدة، تنقذها من تلك الجاهلية العمياء التي كانت تخوض فيها. وتأخذ بيدها إلى العروة الوثقى ؛ وتقود خطاها في الطريق الواصل إلى الله ربها ورب هذا الوجود جميعا.
ونزل الله الكتاب على عبده محمد [ صلى الله عليه وسلم ] قرآناً عربياً، لينذر أم القرى ومن حولها ؛ وشرع فيه ما وصى به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى، ليصل بين حلقات الدعوة منذ فجر التاريخ، ويوحد نهجها وطريقها وغايتها ؛ ويقيم بها الجماعة المسلمة التي تهيمن وتقود ؛ وتحقق في الأرض وجود هذه الدعوة كما أرادها الله، وفي الصورة التي يرتضيها.
وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها. ومع أن هذه الآيات مكية، نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة :( وأمرهم شورى بينهم ).. مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاماً سياسياً للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها إفرازاً طبيعياً للجماعة. كذلك نجد من صفة هذه الجماعة :( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ).. مع أن الأمر الذي كان صادراً للمسلمين في مكة هو أن يصبروا وألا يردوا العدوان بالعدوان ؛ إلى أن صدر لهم أمر آخر بعد الهجرة وأذن لهم في القتال. وقيل لهم :( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ). وذكر هذه الصفة هنا في آيات مكية بصدد تصوير طابع الجماعة المسلمة يوحي بأن صفة الانتصار من البغي صفة أساسية ثابتة ؛ وأن الأمر الأول بالكف والصبر كان أمراً استثنائياً لظروف معينة. وأنه لما كان المقام هنا مقام عرض الصفات الأساسية للجماعة المسلمة ذكر منها هذه الصفة الأساسية الثابتة، ولو أن الآيات مكية، ولم يكن قد أذن لهم بعد في الانتصار من العدوان.
وذكر هذه الصفات المميزة لطابع الجماعة المسلمة، المختارة لقيادة البشرية وإخراجها من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام. ذكرها في سورة مكية وقبل أن تكون القيادة العملية في يدها فعلا، جدير بالتأمل. فهي الصفات التي يجب ان تقوم أولا، وأن تتحقق في الجماعة لكي تصبح بها صالحة للقيادة العملية. ومن ثم ينبغي أن نتدبرها طويلا.. ما هي ؟ ما حقيقتها ؟ وما قيمتها في حياة البشرية جميعاً ؟
إنها الإيمان. والتوكل. واجتناب كبائر الإثم والفواحش. والمغفرة عند الغضب. والاستجابة لله. وإقامة الصلاة. والشورى الشاملة. والإنفاق مما رزق الله. والانتصار من البغي. والعفو. والإصلاح. والصبر.
فما حقيقة هذه الصفات وما قيمتها ؟ يحسن أن نبين هذا ونحن نستعرض الصفات في نسقها القرآني.
إنه يقف الناس أمام الميزان الإلهي الثابت لحقيقة القيم. والقيم الزائلة القيم الباقية ؛ كي لا يختلط الأمر في نفوسهم، فيختل كل شيء في تقديرهم. ويجعل هذا الميزان مقدمة لبيان صفة الجماعة المسلمة :
ويؤكد هذه القاعدة بوصفها قاعدة عامة في الحياة :
( وجزاء سيئة سيئة مثلها )..
فهذا هو الأصل في الجزاء. مقابلة السيئة بالسيئة، كي لا يتبجح الشر ويطغى، حين لا يجد رادعاً يكفه عن الإفساد في الأرض فيمضي وهو آمن مطمئن !
ذلك مع استحباب العفو ابتغاء أجر الله وإصلاح النفس من الغيظ، وإصلاح الجماعة من الأحقاد. وهو استثناء من تلك القاعدة. والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة. فهنا يكون للعفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء. فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة ولم يجيء ضعفا يخجل ويستحيي، ويحس بأن خصمه الذي عفا هو الأعلى. والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو. فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا. ولا كذلك عند الضعف والعجز. وما يجوز أن يذكر العفو عند العجز. فليس له ثمة وجود. وهو شر يطمع المعتدي ويذل المعتدى عليه، وينشر في الأرض الفساد !
( إنه لا يحب الظالمين )..
وهذا توكيد للقاعدة الأولى :( وجزاء سيئة سيئة مثلها )من ناحية. وإيحاء بالوقوف عند رد المساءة أو العفو عنها. وعدم تجاوز الحد في الاعتداء، من ناحية أخرى.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير