وجملة : أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مستأنفة مقررّة لما قبلها من انتفاء كون للظالمين، ولياً ونصيراً، وأم هذه هي المنقطعة المقدّرة ببل المفيدة للانتقال، وبالهمزة المفيدة للإنكار، أي بل أأتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها ؟ فالله هُوَ الولي أي هو الحقيق بأن يتخذوه ولياً، فإنه الخالق الرازق الضار النافع، وقيل الفاء جواب شرط محذوف، أي : إن أرادوا أن يتخذوا ولياً في الحقيقة فالله هو الوليّ وَهُوَ أي ومن شأنه أنه يُحْيي الموتى وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ أي : يقدر على كل مقدور، فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية وإفراده بالعبادة.
سورة الشورى
هي ثلاث وخمسون آية، وهي مكية كلها. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت حم * عسق بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وكذا قال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وروي عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا أربع آيات منها أنزلت بالمدينة قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى إلى آخرها. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ونعيم بن حماد والخطيب عن أرطأة بن المنذر قال : جاء رجل إلى ابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان فقال : أخبرني عن تفسير حم عسق، فأعرض عنه، ثم كرر مقالته فأعرض عنه وكرر مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يجبه، فقال له حذيفة : أنا أنبئك بها لم كرهها ؟ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد إله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقاً، يجتمع فيهما كل جبار عنيد، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث الله على إحداهما ناراً ليلاً فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة كيف افتلتت، فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعاً، فذلك قوله : حم عسق يعني عزيمة من الله وفتنة وقضاء جمع : يعني عدلا منه، سين : يعني سيكون، ق لهاتين المدينتين. أقول : هذا الحديث لا يصح ولا يثبت وما أظنه إلا من الموضوعات المكذوبات، والحامل لواضعه عليه ما يقع لكثير من الناس من عداوة الدول والحط من شأنهم والإزراك عليهم. وأخرج أبو يعلى وابن عساكر قال السيوطي بسند ضعيف : قلت : بل بسند موضوع ومتن مكذوب عن أبي معاوية قال : صعد عمر ابن الخطاب المنبر فقال : أيها الناس هل سمع منكم أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر حم عسق فوثب ابن عباس فقال : إن حم اسم من أسماء الله، قال : فعين قال : عاين المذكور عذاب يوم بدر، قال : فسين، قال : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال : فقاف فسكت، فقام أبو ذر ففسر كما قال ابن عباس وقال : قاف قارعة من السماء تصيب الناس. قال ابن كثير في الحديث الأول : إنه غريب عجيب منكر، وفي الحديث الثاني : إنه أغرب من الحديث الأول. وعندي أنهما موضوعان مكذوبان.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني