تفسير المفردات : يخرصون : أي يكذبون.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنهم يعترفون بالألوهية لله وأنه خالق السماوات والأرض، أردف هذا ببيان أنهم متناقضون مكابرون، فهم مع اعترافهم لله بخلق السماوات والأرض يصفونه بصفات المخلوقين المنافية لكونه خالقا لهما، إذ جعلوا الملائكة بنات له ولا غرو، فالإنسان من طبعه الكفران وجحود الحق، ومن عجيب أمرهم أنهم أعطوه أخس صنفي الأولاد، وما لو بشر أحدهم به اسود وجها وامتلأ غيظا، ومن يتربى في الزينة وهو لا يكاد يبين حين الجدل، فلا يظهر حجة ولا يؤيد رأيا، واختاروا لأنفسهم الذكران، ثم أعقبه بالنعي عليهم في جعلهم الملائكة إناثا، وزاد في الإنكار عليهم ببيان أن مثل هذا الحكم لا يكون إلا عن مشاهدة، فهل هم شهدوا ذلك ؟ ثم توعدهم على هذه المقالة وأنه يوم القيامة يجازيهم بها.
الإيضاح : ثم حكى عنهم فنا آخر من فنون كفرهم بالله جاؤوا به للاستهزاء والسخرية فقال :
وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم أي وقالوا : لو شاء الله لحال بيننا وبين عبادة الأصنام التي هي على صورة الملائكة، فإنه تعالى عالم بذلك وهو قد أقرنا عليه.
وقد جمعوا في هذا أفانين من الكفر وضروبا من الترهات والأباطيل، منها :
( ١ )إنهم جعلوا لله ولدا تقدس سبحانه وتنزه عن ذلك.
( ٢ )دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، إذ جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا.
( ٣ ) عبادتهم لهم بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله، بل بالرأي والهوى والتقليد للأسلاف.
( ٤ )احتجاجهم بتقدير الله ذلك، وقد جهلوا في هذا جهلا كبيرا، فإنه تعالى أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار، وهو منذ أن بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة سواه كما قال : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( النحل : ٣٦ )وقال : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون ( الزخرف : ٤٥ ).
ثم رد عليهم مقالهم وبين جهلهم بقوله :
ما لهم بذلك من علم أي ما لهم على ما قالوا، دليل ولا برهان يستندون إليه في تأييد دعواهم.
ثم أكد هذا الرد بقوله :
إن هم إلا يخرصون أي ما هم إلا كاذبون فيما قالوا، متمحلون تمحلا باطلا، متقولون على الله ما لم يقله.
تفسير المراغي
المراغي