ثم ذكر تحكمهم على الله، واستحقارهم لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال :
وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رَجُل من القريتين عظيم أي : من إحدى القريتين ؛ مكة والطائف، على نهج قوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [ الرحمان : ٢٢ ] وعنوا بعظيم مكة : الوليد بن المغيرة، وبعظيم الطائف : عروة بن مسعود الثقفي. وعن مجاهد : عظيم مكة : عتبة بن ربيعة، وعظيم الطائف : ابن عبد ياليل. ولم يتفوّهوا بهذه العظيمة حسداً، بل استدلالاً على عدم نزوله، بمعنى : لو كان قرآناً لأُنزل على أحد هؤلاء، بناء على ما زعموا من أن الرسالة منصب جليل، لا يليق له إلا مَن له جلالة من جهة المال والجاه، ولم يدْروا أنها رتبة روحانية، لا يرتقى إليها إلا همم الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيّدين بالقوة القدسية، المتحلّين بالفضائل الإنسية، وأما المتزخرفون بالزخارف الدنيوية، المتمتعون بالحظوظ الدنية، فهم من استحقاق تلك الرتبة بألف معزل.
قال ابن عطية : وإنما قصدوا إلى مَن عظم ذكره بالسن، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعظم هؤلاء ؛ إذ كان المسمى عندهم الأمين. ه. ومرادهم : الشرف الدنيوي، بحيث يتعرض للأمور ؛ ليُذكَر ويُشار إليه، ورسوله الله صلى الله عليه وسلم كان منزَّهاً عن ذلك من أول النشأة، كما هو حال أهل الآخرة، والنفوس في مهماتها إليهم أميلُ، وعليهم تعول، ولذلك كان أميناً عندهم، ولا ترضى جل النفوس أهل الفضول ؛ لأماناتها، ولا تسكن إليها وتطمئن بها، وإنما تعظمها ظاهراً، لا حقيقة. وهذا كافٍ في الرد عليهم في أنهم لا يرضونهم لأماناتهم، فكيف يُرضون لأمانات الوحي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه [ الأنعام : ١٢٤ ]. قاله في الحاشية.
ويقال لمَن أنكر على أهلها من أهل التجريد : أهُم يقسمون رحمت ربك... الآية، ورحمة ربك - هي سر الخصوصية - خير مما يجمعون.
وقال القشيري على قوله تعالى : نحن قسمنا بينهم معيشتهم... الخ، بعد كلام : ثم إنه تعالى قَسَمَ لبعض عباده النعمةَ والغنى، ولقوم الفقر والقلّة، وجعل لكلّ واحدٍ منهم مسكناً يسكنون إليه، ويستقلُّون به، فللأغنياء وجود الأنعام، وجزيل الأقسام، فشكروا واستبشروا، وللفقراء شهودُ القَسَّام، فحَمدوا وافتخروا، فالأغنياء وجدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا، والفقراء سمعوا قوله :" نحن " فاشتغلوا، وفي الخبر : أنه صلى الله عليه وسلم قال للأنصار :" أما تَرضَون أن يرجع الناس بالشاء والبعير، وترجعوا برسول الله إلى أهليكم ؟ والله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون " ١ هـ.
قوله تعالى : نحن قسمنا بينهم... الخ، قد سبقت أقسام الرزق قبل ظهور الخلق، فالواجب انتظار القسمة، والرضا بما قسم، كما قال الشاعر :اقنعْ بما قسم الرزّاق من قِسَم وسلّم الأمرَ فالرزاق مختارُ لا تجزعن ولا تبطَر على مِحَنٍ أو مِنَح، فإنما هي أحكام وأقدارُ واقنع بكل الذي يجري الزمانُ به ولا يكن منك للمغرور انكسارُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي