القريتين : كناية عن مدينتي مكة والطائف.
١- فالله قد أنعم على السامعين وآبائهم من قبل ويسر لهم وسائل الحياة ورغدها فاغتروا عن وانحرفوا عن جادة الحق فأرسل إليهم رسوله إليهم بالحق فظلوا في انحرافهم.
٢- وقابلوا الدعوة بالجحود ووصفوها بالسحر وكفروا بها.
٣- ثم قالوا إن القرآن لو كان حقا من عند الله لأنزل على عظيم من عظماء مكة أو الطائف.
٤- وقد ردت الآية الأخيرة على هذا القول منددة منكرة في صيغة التساؤل عما إذا كانوا يتحكمون في قسمة رحمة الله وتوزيعها وتعيين من هو الأحق بعطف الله واصطفائه لقرآنه، ثم دعمت الرد بتقرير كون الله هو الذي قسم بينهم معيشتهم، وكون ما هو قائم بينهم من الفروق وارتفاع بعضهم فوق بعض إنما هو مظهر من مظاهر الحياة الدنيا وطبيعتها ليتمكن الناس من استخدام بعضهم لبعض وانتفاع بعضهم من بعض في المصالح والحاجات، وكون رحمة الله وعطفه هما خير مما يجمعه الناس ويتمتعون به من مال وجاه وبسطة عيش، فلا يحظى بهما إلا الذين يصطفيهم الله ويراهم أهلا لهما.
والآيات متصلة بالسياق من حيث احتواؤها صورة لمواقف زعماء الكفار وعقائدهم وأقوالهم التي ما فتئت فصول السورة تذكرها.
تعليق على آية
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( ٣١ )
والآية التالية لها
والمتبادر من الآيات أن زعماء الكفار كانوا يرون أنفسهم أحق بالنبوة ومهمة الدعوة لأنهم أصحاب الحول والمكانة في بيئتهم. أو أن بعضهم كان يرى نفسه أحق بذلك لأنهم كانوا على شيء من العلم بالأديان والمعارف السابقة بالإضافة إلى حوله ومكانته في بيئته. ولقد روى الطبري عن بعض التابعين بعض الأسماء التي كان المشركون يقصدونها من عظماء مكة والطائف مثل الوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة من مكة وحبيب بن عمرو أو عروة بن مسعود أو ابن عبد ياليل من الطائف. ولقد روى أن النضر بن الحرث بن كلدة أحد زعماء الكفار كان يعرف كثيرا من تاريخ الفرس وغيرهم وكان واقفا على شؤون الأديان السابقة فكان يقول على سبيل الصد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن حديثه ليس أطلى من حديثي، وإنه إنما يحدثكم بأساطير الأولين فتعالوا إلي وأنا أحدثكم عن رستم واسفنديار بحديث أطلى مما يحدثكم١. وقد احتوت الآيات ردا عليهم، ثم تنويها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقريرا لأهليته لاصطفاء الله له لمهمة الرسالة العظمى.
ومع ما في الآيات من خصوصية زمنية وجدلية وموضوعية فإنها تحتوي تلقينا جليلا عاما بأفضلية الصلاح الروحي والخلقي، على البهرج المادي وكثرة الثروة واتساع الجاه في الدنيا. وإلى هذا فإن الآيات تدل على
أن الوجاهة والزعامة كانتا تلعبان دور كبيرا في بيئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعصره. وعلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن زعيما ذا شأن نافذ، وتنطوي على سبب من أسباب امتناع زعماء الكفار من الاستجابة إلى دعوته ومناوأتها، وهو الاعتداد والاستكبار والأنفة والغيظ من اختصاصه بالنبوة والقرآن دونهم. وهو ما انطوى في آيات سورة فاطر هذه : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ( ٤٢ ) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينتظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ( ٤٣ ) ، وآية سورة ص هذه : أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب ( ٨ ) .
تعليق على جملة
ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا [ ٣٢ ]
ولقد قلنا في شرح الآيات : إن جملة ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا هي بسبيل التنبيه على أن ذلك مظهر من مظاهر الحياة وطبيعتها ونزيد على هذا أن العبارة لا تفيد أن في ذلك اختصاصا ربانيا وعناية ربانية للطبقة المرتفعة أو حطا ربانيا من شأن الطبقة المنخفضة ولا ثباتا مستمرا لارتفاع أفراد الطبقة المرتفعة، وانخفاض أفراد الطبقة المنخفضة. وأن الذي تفيده كما هو المتبادر من روحها وفحواها ومقام ورودها أن حكمة الله اقتضت أن يتفاوت الناس من حين إلى حين ومن جيل إلى جيل ومن بيئة إلى بيئة في الفهم والقدرة والقابلية والنشاط والثروة والمركز الاجتماعي. فيضمن هذا التفاوت تبادل قضاء المصالح والحاجات بين الناس على اختلاف درجات فهمهم وقدرتهم وقابليتهم ونشاطهم وثروتهم ومركزهم الاجتماعي. وفي بقية الآية التي جاءت فيها الجملة دليل على أن الارتفاع ليس اختصاصا ولا عناية ربانية وأن الانخفاض ليس انتقاصا ولا خفضا ربانيا.
التفسير الحديث
دروزة