ثم عجب سبحانه من حال الكفار، فقال : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ قال الحسن وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئًا إلاّ ركبه، وقال عكرمة : يعبد ما يهواه أو يستحسنه، فإذا استحسن شيئًا وهواه اتخذه إلها. قال سعيد بن جبير : كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ أي «على علم » قد علمه، وقيل المعنى : أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه، وقال مقاتل : على علم منه أنه ضالّ لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضرّ. قال الزجاج : على سوء في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه، ومحل على علم النصب على الحال من الفاعل، أو المفعول وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة أي غطاء حتى لا يبصر الرشد.
قرأ الجمهور غِشَاوًَة بالألف مع كسر الغين، وقرأ حمزة، والكسائي ( غَشْوَةً ) بغير ألف مع فتح الغين، ومنه قول الشاعر :
| لئن كنت ألبستني غشوة | لقد كنت أصفيتك الودّ حينا |
وقرأ ابن مسعود، والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين وهي لغة ربيعة، وقرأ الحسن، وعكرمة بضمها وهي لغة عكل
فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أي من بعد إضلال الله له
أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ تذكر اعتبار حتى تعلموا حقيقة الحال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر يقول : على هدًى من أمر دينه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : سَوَاء محياهم ومماتهم قال : المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ قال : ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدًى من الله، ولا برهان وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ يقول : أضله في سابق علمه. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه قال : كان الرّجل من العرب يعبد الحجر، فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : كان أهل الجاهلية يقولون : إنما يهلكنا الليل والنهار، فقال الله في كتابه : وَقَالُواْ مَا هِي إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله يقول :«قال الله عزّ وجلّ : يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار».