قوله : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا تقدم نظيره. وقرأ زيد بن علي نُحْيَا بضم النون(١).
فإن قيل : الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول : نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة ؟
فالجواب من وجوه :
الأول : المراد بقوله :«نموت » حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، وبقوله :«نحيا » ما حصل بعد ذلك في الدنيا.
الثاني : نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا.
الثالث : قال الزّجاج : الواو للاجتماع(٢) والمعنى : يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ.
الرابع : قال ابن الخطيب : إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ثم قال بعده : نَمُوتُ وَنَحْيَا يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد(٣).
قوله : وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ الذي قالوه مِنْ عِلْمٍ أي لم يقولوه عن علم عَلِموه إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ .
روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قال الله تعالى : لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها »(٤) وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ(٥) » ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون : أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم : وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله عز وجل ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر(٦).
٢ معاني القرآن وإعرابه ٤/٤٣٤..
٣ الرازي ٢٧/٢٦٩..
٤ ذكره أحمد أيضا في مسنده ٢/٢٥٩ و٢٧٢ و٢٧٥ و٣١٨ و٩٣٤..
٥ ذكره أيضا أحمد في مسنده ٢/٢٣٨ و٢٧٢ و٣٩٥ و٤٩١ و٤٩٩ و٥٠٦..
٦ انظر القرطبي ١٦/١٧٠ ـ ١٧٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود