ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم { ٣٣ } قال لابن عباس وعطاء : لا تبطلوها بالشك والنفاق أو العجب، وقال الكلبي بالرياء والسمعة، وقال الحسن بالمعاصي والكبائر، وأخرج ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن أبي العالية قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت هذه الآية فخافوا أن يبطل العمل بالذنب وكذا ذكر البغوي عنه، وقال مقاتل لا تمنوا على رسول الله بإسلامكم فتبطل أعمالكم.
مسألة :
من شرع في صلاة أو صوم أو حج أو عمرة أو غير ذلك تطوعا يجب عليه الإتمام ولا يجوز له الإفساد في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة إلا بعذر كذا ذكر صاحب الهداية والقدوري وغيرهما، وهل الضيافة عذر لإفطار الصوم تطوعا قيل نعم وقيل لا وقيل عذر قبل الزوال لا بعده إلا إذا كان في عدم الفطر عقوق الوالدين، فإن أفسد الصلاة أو الصوم بعد شروع تطوعا يجب عليه القضاء عند أبي حنيفة وعند مالك وفي رواية المنتقى عن أبي حنيفة يباح للمتطوع بالصوم الإفطار بغير عذر ويجب عليه القضاء، وقال الشافعي وأحمد يجب في العمرة والحج الإتمام والقضاء إن أفسد بخلاف الصلاة والصوم وغيرهما من النوافل فإنه يستحب عندهما الإتمام وله قطعهما ولا قضاء عليه، لنا هذه الآية فإنها وإن كانت واردة في النهي عن إبطال العمل بالشك والنفاق أو بالمعاصي أو بالرياء والسمعة والعجب لكنهما بصيغتها يعم الإبطال، قبل إتمامها بالإفساد لأن القدر المؤدى قربة وعمل وكذا بعده بفعل ما يحبطه من الكبائر أو الرياء والسمعة أو العجب، ولنا أيضا الأحاديث منها حديث عروة عن عائشة قالت أهديت لحفصة شاة ونحن صائمتان فأفطرتني فلما دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا ذلك له فقال :" أبدلا مكانه " رواه أحمد من طريق سفيان بن حسين عن عروة عن عائشة والترمذي من طريق جعفر بن برقان عن عروة عنها بلفظ قالت كنت وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة فقالت يا رسول الله إنا كنا صائمتين فعرض طعام اشتهيناه فأكلنا منه قال " اقضيا يوما آخر مكانه " ١ وكذا أخرج أبو داود والنسائي عن زميل عن عروة عنها وأعله البخاري بأنه لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد سماع من زميل، وقال الترمذي روى هذا الحديث صالح بن أبي الأخضر ومحمد بن علي بن أبي حفصة عن الزهري عن عروة عن عائشة، وروى مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله بن عمرو وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلا ولم يذكروا فيه عروة وهذا أصح لأنه روي عن ابن جريج قال سألت الزهري أحدثك عروة عن عائشة قال لم أسمع من عروة في هذا شيئا ولكن سمعنا في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث انتهى.
قال ابن همام قول البخاري مبني على اشتراط العلم بذلك والمختار الاكتفاء بالعلم بالمعاصرة ولو سلم إعلاله وإعلال الترمذي فهو قاصر على هذا الطريق فإنما يلزم لو لم يكن طريق آخر لكن رواه ابن حبان في صحيحه عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين الحديث، رواه ابن أبي شيبة من طريق آخر غيرهما عن خصيف عن سعيد بن جبير أن عائشة وحفصة كانتا صائمتين الحديث، ورواه البزار من طريق آخر عن الحماد بن وليد عن عبيد الله بن عمر وعن نافع عن ابن عمر قال أصبحت عائشة وحفصة صائمتين الحديث، لكن الحماد بن الوليد ضعيف وأخرج الطبراني من غير الكل في الأوسط حدثنا موسى بن هارون حدثنا محمد بن مهرن الجمال قال ذكره محمد بن أبي سلمة المكي عن محمد بن عمروية عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال أهديت لعائشة وحفصة هدية وهما صائمتان فأكلتا منها فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اقضيا يوما مكانه ولا تعودا " قال ابن همام فثبت هذا الحديث ثبوتا لا مرد له ولو كان كل طريق من هذه الطرق ضعيفا لتعددها وكثرة مجيئها كيف وبعض طرقه مما يحتج به، قلت : والمرسل عندنا حجة وما قال ابن الجوزي إن الأمر بالإبدال يوما مكانه محمول على الاستحباب خروج عن مقتضاه بغير موجب بل هو محفوف مما يجب مقتضاه ويؤكده وهو قوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم فإن الآية تدل على منع الإفطار بعد الشروع ولا دلالة فيها على وجوب القضاء والحديث يدل على جواز الإفطار مع وجوب القضاء، قلنا دلالة الآية على منع الإفطار دلالة على وجوب القضاء فإن منع الإبطال عبارة عن وجوب الإتمام ووجوب الشيء يقتضي وجوب قضاءه بالمثل المعقول عند الفوات إن كان له مثل وليس في الحديث دلالة على جواز الإفطار بل على وجوب القضاء فقط ووجوب القضاء يترتب على وجوب الإتمام وحرمة الإفطار وقوله صلى الله عليه وسلم " لا تعودا " صريح في حرمة الإفطار وهذا هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله.
وفي الباب أحاديث أخر منها ما رواه الدارقطني عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة عن عائشة أم المؤمنين قالت دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أريد الصوم وأهدي له حيس فقال :" إني آكل وأصوم يوما مكانه "، قال الدارقطني لم يرد هذا اللفظ عن ابن عيينة غير محمد بن عمرو أبوالعباس الباهلي ولم يتابع على قوله وأصوم يوما مكانه ولعله شبه عليه، قال الحافظ لكن رواه النسائي عن محمد بن منصور عن ابن عيينة وكذا رواه الشافعي عن ابن عيينة وذكر أن ابن عيينة زادها قبل موته بسنة انتهى، قال الحافظ ابن حجر ابن عيينة كان في الآخر قد تغير ومنها، ما رواه الدارقطني بسنده عن محمد بن أبي حميد عن إبراهيم بن عبيدة قال صنع أبو سعيد الخدري طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال رجل من القوم إني صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صنع لك أخوك أفطر وصم يوما مكانه " قال الدارقطني هذا مرسل وقال ابن الجوزي محمد ابن أبي حميد ليس بشيء وقال النسائي ليس بثقة وقال ابن حبان لا يحتج به، ومنها ما رواه الدارقطني عن جابر بن عبد الله قال صنع رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما أتى الطعام تنحى أحدهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " تكلف لك أخوك وصنع ثم تقول إني صائم كل وصم يوما مكانه " فيه عمر بن حليف قال ابن عدي كان متهما بوضع الحديث وكذا قال ابن حبان، ومنها ما رواه الدارقطني من حديث ثوبان قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في غير رمضان فأصابه غم أذاه فتقيأ فقاء فدعا بوضوء فتوضأ ثم أفطر فقلت يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء ؟ قال لو كان فريضة لوجدته في القرآن، قال ثم صام الغد فسمعته يقول :" هذا مكان إفطاري أمس " فيه عتبة بن السكن قال الدارقطني متروك الحديث، ومنها ما رواه الدارقطني بسنده عن محمد بن أبي حميد عن الضحاك بن حمزة عن منصور عن أم سلمة أنها صامت يوما تطوعا فأفطرت فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقضي يوما مكانه، قال يحيى الضحاك ليس بشيء وقال أبو زرعة محمد بن حميد كذاب.
احتج الشافعي وأحمد بأحاديث الأول : حديث جويرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال لها اصمت أمس ؟ قالت لا، قال أتصومين غدا ؟ قالت لا، قال فأفطري " ٢ رواه البخاري، وروى أحمد عن أبي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على جويرية فذكر الحديث نحوه، الثاني حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيها فيقول أصبح عندكم شيء تطعمونيه ؟ فنقول لا ما أصبح عندنا شيء فيقول إني صائم ثم جاءها بعد ذلك فقالت أهديت لنا هدية فخبأنا لك فقال ما هي ؟ قالت حيس، قال :" قد أصبحت صائما " فأكل٣ رواه مسلم، ورواه الدارقطني والبيهقي بلفظ أنه دخل عليها فقال هل عندكم شيء ؟ " قلت لا، قال : فإني إذا صائم، قالت ودخل علي يوما آخر فقال أعندكم شيء " قلت نعم، قال :" إذن أفطر وإن كنت قد فرضت الصوم " الثالث حديث أم سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح صائما ؟ فيقول : بلى ولكن لا بأس أن أفطر ما لم يكن نذرا أو قضاء رمضان " رواه الدارقطني وفي سنده محمد بن عبيد الله العرزمي ضعيف، الرابع حديث أبي جحيفة قال آخى النبي صلى الله عليه سلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء مبتذلة فقال لها ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء وصنع له طعاما فقال كل فقال إني صائم، فقال أما إني لا آكل حتى تأكل فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال نم فنام ثم ذهب يقوم قال نم فلما كان آخر الليل قال سلمان قم الآن، فصليا فقال له سلمان إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم " صدق سلمان " قلت هذه الأحاديث لا تدل إلا على جواز الإفطار للصائم وأما على عدم وجوب القضاء فلا وحديث جويرية إنما يدل على كراهة الإفراد بصوم الجمعة كما ورد في حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تصوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم " ٤ متفق عليه، وفي لفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرد يوم الجمعة بصوم رواه مسلم.
وللشافعي أحاديث أخر ضعاف : منها حديث أم هانئ وله طرق وألفاظ منها ما رواه النسائي من حديث حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن هارون بن أم هانئ عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شرابا فناولها لتشرب فقالت : إني صائمة لكن كرهت أن أرد سؤرك، فقال إن كان قضاء من رمضان فاقضي يوما مكانه وإن كان تطوعا فإن شئت تقضي وإن شئت فلا تقضي، وروى أحمد والترمذي وغيرهما من طرق عن سماك عن هارون عنها بلفظ كنت قاعدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بشراب فشرب منه ثم ناولني فشربت منه فقلت أذنبت قال ما ذاك ؟ قلت كنت صائمة فأفطرت، قال أمن قضاء كنت تقضيه ؟ قلت لا، قال فلا تضرك، وسماك بن حرب ليس بمعتمد عليه إذا نفرد كذا قال النسائي وقال البيهقي في إسناده مقال وقال ابن القطان هارون مجهول لا يعرف، قلت : وهارون قيل ابن أم هانئ وقيل ابن ابنه وابن بنته ولفظ أحمد والترمذي لا يدل على عدم وجوب القضاء، وروى أبو داود والدارمي وغيرهما من حديث جرير عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن الحارث عن أم هانئ قالت لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم هانئ عن يمينه، قالت فجاءت وليدة بإناء فيه شراب فناولته فشربت منه فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطرت وكنت صائمة، فقال لها أكنت تقضين شيئا ؟ قالت لا، قال :" لا يضرك إن كان تطوعا " ورواه أحمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن حجة عن أم هانئ وهي جدته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الفتح فأتى يإناء فشرب ثم ناولني فقلت : إني صائمة فقال :" إن المتطوع أمير نفسه فإن شئت فصومي وإن شئت فافطري " ورواه من حديث أبي داود الطيالسي ثنا شعبة عن جعدة عن أبي صالح عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فشرب ثم ناولها فشربت وقالت يا رسول الله إني كنت صائمة فقال رسول ال

١ أخرجه الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في إيجاب القضاء عليه ٧٢٨، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصوم، باب: من رأى عليه القضاء ٢٤٥٥..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: صوم يوم الجمعة ١٩٨٦..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلا من غير عذر ١١٥٤. .
٤ في الصحيحين "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده" أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: صوم يوم الجمعة ١٩٨٥، وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: كراهة صيام يوم الجمعة منفردا ١١٤٤..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير