المعنى الجملي : بعد أن ذكر أن المنافقين ستفضح أسرارهم، وأنهم سيلقون شديد الأهوال حين وفاتهم – أردف ذلك ذكر حال جماعة من أهل الكتاب وهم بنو قريظة والنضير كفروا بالله وصدوا الناس عن سبيل الله وعادوا الرسول بعد أن شاهدوا نعته في التوراة، وما ظهر على يديه من المعجزات، فهؤلاء لن يضروا الله شيئا بكفرهم، بل يضرون أنفسهم وسيحبط الله مكايدهم التي نصبوها لإبطال دينه، ثم ذكر قصص بني سعد وقد أسلموا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلينا، منا بذلك عليه، فنهاهم عن ذلك وبين لهم أن هذا مما يبطل أعمالهم، ثم أعقب هذا ببيان أن من كفروا وصدوا عن السبيل القويم ثم ماتوا وهم على هذه الحال فلن يغفر الله لهم، ثم أرشد إلى أن عمل الكافرين الذي له صورة الحسنات محبط وأن ذنبهم غير مغفور، وبعدئذ أردف هذا أن الله خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم، ولا تظهروا ضعفا أمامهم، فإن الله ناصركم، ولن يضيع أعمالكم.
الإيضاح : ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال :
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أي يا أيها الذين صدقوا بوحدانية الله وقدرته وسائر صفات كماله، وصدقوا رسوله فيما جاء على لسانه من الشرائع – أطيعوا الله وأطيعوا الرسول في اتباع أوامرهما والانتهاء عن نواهيهما.
ثم نهاهم عن أن يبطلوا أعمالهم كما أبطل الكفار أعمالهم فقال :
ولا تبطلوا أعمالكم أي ولا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي قاله الحسن، وقال الزهري بالكبائر. وقال مقاتل بالمن والأذى وقال عطاء بالنفاق والشرك ؛ والأولى أن يراد به النهي عن كل سبب من الأسباب التي تكون سببا في إبطال الأعمال كائنا ما كان بلا تخصيص بنوع معين.
وعن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولا حتى نزلت : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم فقلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها، قلنا : قد هلك حتى نزل : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( النساء : ٤٨ ).
فكففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها رجونا له.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال في الآية : من استطاع منكم ألا يبطل عملا صالحا بعمل سوء فليفعل ولا قوة إلا بالله تعالى.
تفسير المراغي
المراغي