ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

وقوله : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وذلك حين أبوا أن يكتبوا " بسم الله الرحمن الرحيم "، وأبوا أن يكتبوا :" هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله "، فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ، وهي قول :" لا إله إلا الله "، كما قال ابن جرير، وعبد الله ابن الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن قزعة أبو علي البصري، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن ثوير١، عن أبيه عن الطفيل - يعني : ابن أبي بن كعب ٢ [ رضي الله عنه ] ٣ - عن أبيه [ أنه ] ٤ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى قال :" لا إله إلا الله ".
وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زُرْعَة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه٥.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب٦، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فمن قال : لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله "، وأنزل الله في كتابه، وذكر قوما فقال : إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [ الصافات : ٣٥ ]، وقال الله جل ثناؤه : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وهي :" لا إله إلا الله، محمد رسول الله "، فاستكبروا عنها واستكبر عنها المشركون٧ يوم الحديبية، وكاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة. .
وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري٨، والظاهر أنها مدرجة من كلام الزهري، والله أعلم.
وقال مجاهد : كَلِمَةَ التَّقْوَى : الإخلاص. وقال عطاء بن أبي رباح : هي لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى قال : لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن عَبَاية بن رِبْعِي، عن علي : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى قال : لا إله إلا الله، والله أكبر. وكذا قال ابن عمر، رضي الله عنهما.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى قال : يقول : شهادة أن لا إله إلا الله، وهي رأس كل تقوى.
وقال سعيد بن جبير : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى قال : لا إله إلا الله والجهاد في سبيله.
وقال عطاء الخراساني : هي : لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وقال عبد الله بن المبارك، عن مَعْمَر عن الزهري : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى قال : بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال قتادة : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى قال : لا إله إلا الله.
وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا : كان المسلمون أحق بها، وكانوا أهلها.
وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا أي : هو عليم بمن يستحق الخير من يستحق الشر.
وقد قال النسائي : حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا شبابة بن سوار، عن أبي رزين، عن عبد الله بن العلاء بن زبر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ [ الفتح : ٢٦ ]، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام. فبلغ ذلك عمر فأغلظ له، فقال : إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلمني مما علمه الله. فقال عمر : بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله ٩.
وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقصة الصلح :
قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يَسَار، عن الزهري، عن عُرْوَة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي١٠، فقال : يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العُوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا ويح قريش ! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس ؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله [ عليهم ]١١ دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش ؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة ". ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه١٢ على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة. قال : فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا سلك ثنية المرار، بركت ناقته، فقال الناس : خلأت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما خلأت، وما ذلك١٣ لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها " [ ثم ] ١٤ قال للناس :" انزلوا ". قالوا : يا رسول الله، ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمًا من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب، فغرزه فيه فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن. فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا بُدَيل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.
قال محمد بن إسحاق : قال الزهري :[ و ]١٥ كانت خزاعة في عَيْبَة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا كان بمكة، فقالوا : وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدًا علينا عَنْوة، ولا يتحدث بذلك العرب. ثم بعثوا إليه مِكْرَز بن حفص، أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" هذا رجل غادر ". فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما كَلَّم به أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]١٦، فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهَدْي " في وجهه، فبعثوا الهدي، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظامًا لما رأى١٧، فقال : يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صَده، الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله. قالوا : اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال : يا معشر قريش، إن قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأنا ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي. قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج١٨ حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه، فقال : يا محمد جمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال : وأبو بكر قاعد خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : امصص بظر اللات ! أنحن ننكشف عنه ؟ ! قال : من هذا يا محمد ؟ قال :" هذا ابن أبي قحافة ". قال : أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. ثم تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد ١٩، قال : فقرع يده. ثم قال : أمسك يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل - والله - لا تصل إليك. قال : ويحك ! ما أفظعك وأغلظك ! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : من هذا يا محمد ؟ قال صلى الله عليه وسلم :" هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة ". قال : أغدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟ ! قال فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا. قال : فقام من عند رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]٢٠ وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش، إنى جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت مَلكا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم. قال : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له :" الثعلب " فلما دخل مكة عقرت ٢١ به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال : يا رسول الله، إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني : عثمان بن عفان. قال : فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء زائرا لهذا البيت، معظما لحرمته. فخرج عثمان حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ٢٢ قال : واحتبسته قريش عندها، قال : وبلغ رسول الله أن عثمان قد قتل.
قال محمد : فحدثني الزهري : أن قريشًا بعثوا سهل بن عمرو، وقالوا : ائت محمدًا فصالحه ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها

١ - (٤) في أ: "ثور"..
٢ - (٥) في ت: "كما روى ابن جرير بسنده عن أبي بن كعب"..
٣ - (٦) زيادة من ت..
٤ - (٧) زيادة من ت، م..
٥ - (٨) تفسير الطبري (٢٦/٦٦) وزوائد عبد الله على المسند (٥/١٣٨) وسنن الترمذي برقم (٣٢٦٥)..
٦ - (٩) في ت: "وروى بن أبي حاتم بسنده"..
٧ - (١٠) في أ: "قريش"..
٨ - (١١) تفسير الطبري (٢٦/٦٦)..
٩ - (١) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥٠٥)..
١٠ - (٢) في ت: "بشر بن كعب الكلبي"..
١١ - (١) زيادة من أ..
١٢ - (٢) في أ: "يحرصه"..
١٣ - (٣) في ت: "وما ذاك"..
١٤ - (٤) زيادة من ت، م، أ..
١٥ - (٥) زيادة من ت، م..
١٦ - (٦) زيادة من ت، م..
١٧ - (٧) في ت: "فلما رجع إلى أصحابه"..
١٨ - (٨) في أ: "ثم خرج"..
١٩ - (٢) زيادة من ت، أ..
٢٠ - (٢) زيادة من ت، أ..
٢١ - (٣) في ت: "عثرت"..
٢٢ - (٤) زيادة من ت، أ..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية