أيضا من حكمة المصالحة يوم الحديبية
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ٢٥ ) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( ٢٦ )
تمهيد :
في هذه الآيات تعبير مصور يزرى بالكافرين، ويسجل أوسمة للمؤمنين، فكفار مكة هم الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنعوا المسلمين من دخول المسجد الحرام معتمرين متنسكين، ومنعوا الهدي من الإبل والبقر والغنم وقد علقت في صدورها قلائد من زيادات أوراق شجر الحرم، ليعلم الناس جميعا أنها قد أهديت إلى البيت الحرام، لتذبح ويوزع لحمها على الفقراء، وهذا منسك ديني موقر محترم في سائر الأديان، لأنه يعتمد على نحر الهدي بعد أداء منسك العمرة أو الحج تقربا إلى الله، وإطعاما للفقراء.
والقرآن هنا يسجل على الكافرين هذا المشهد، الذي ينم عن الغلظة والتعدي، والتصدي بالمنع لحجاج بيت الله، وللهدي المتقرب به إلى الله، ليطعم الفقراء من لحمه بعد ذبحه، وكانت لله حكمة في تأخير النزال بين المسلمين والكافرين، وهي وجود ثلاثة رجال وسبع نسوة من المسلمين بمكة، وفي رواية أبي حاتم ثلاثة رجال وتسع نسوة من المسلمين المختلطين بكفار مكة، وكان القتال بين المسلمين والمشركين سيؤدي إلى قتلهم، بدون أن يعرفهم المسلمون، فيندموا ويتأذوا، لذلك منع الله الحرب، ولو تميز المسلمون واعتزلوا وحدهم، لعذب الله الكافرين في الحرب، وهزمهم في الدنيا، ثم عاقبهم في الآخرة.
وتعرض الآية السادسة والعشرون موقفا ظهر الكافرون فيه في غاية الحمق والجلافة والعدوان بدون وجه حق، وكان المسلمون في غاية السكينة والإيمان والتقوى وهم أهل لذلك، وتفيد كتب السيرة والتاريخ أن قريشا لما أرادت الصلح أرسلت سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص، ليسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع في عامه، على أن تخلي قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، فأجابهم، وبدأ علي بن أبي طالب يكتب معاهدة الصلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اكتب : بسم الله الرحمان الرحيم )، فقال سهيل بن عمرو : اكتب ما نعرف، وهو : باسمك اللهم، فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم :( اكتب : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو )، فقال سهيل : لو أقررت أنك رسول الله ما حاربتك، اكتب اسمك واسم أبيك، اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو١٢.
وقد تمتع الرسول صلى الله عليه وسلم بالحلم والتقوى، وتمتع المسلمون بالطاعة والسكينة، كما ظهر من تعبير القرآن الكريم.
المفردات :
الحمية : الكبر والأنفة، وحمية الجاهلية هي حمية في غير موضعها، لا يؤيدها دليل ولا برهان.
سكينته : السكينة : الوقار والحلم.
ألزمهم : اختار لهم، وطلب منهم.
كلمة التقوى : هي : لا إله إلا الله.
أحق بها : أولى بها من غيرهم، ومتصفين بمزيد استحقاق لها.
وأهلها : وأصحابها المستأهلين لها.
التفسير :
٢٦- إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا .
تضع هذه الآية الحقيقة الكاملة لموقف الكافرين والمؤمنين يوم الحديبية، فالكفار في قلوبهم الأنفة والعزة بالإثم، المنسوبة إلى الجاهلية، لذلك صدوا المسلمين عن المسجد الحرام، وصدوا الهدي ومنعوه أن يصل إلى محل ذبحه في منى، وأخذتهم العزة بالإثم، فأبوا أن يكتبوا : بسم الله الرحمان الرحيم، وكتبوا : باسمك اللهم، كما أبوا أن يكتبوا : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، وكتبوا : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فنسب الله إليهم الحمية، وهي مذمومة، وتزداد ذما إذا نسبت إلى الجاهلية، أي التهور والغلظ بدون وجه حق.
وفي المقابل أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، فجعلها محفوظة عنده حتى أنزلها عليهم، والسكينة كلمة طيبة، ثم نسبها الله إليه، فجعلها سكينته، أي الهدوء والإيمان والوقار والرضا، وعدم العناية بالشكليات.
وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها...
أي : مكنهم الله من كلمة التوحيد، والإخلاص لله في العمل، وكانوا أهلا لها وأولى بها، وهي لا إله إلا الله.
وكان الله بكل شيء عليما .
هو المطلع على أحوال كل من المؤمنين والكافرين، فيجازي كل فريق بما يستحق.
( أ ) أن حرمة المسلم عند الله عظيمة ( ولقتل نفس مؤمنة أعظم عند الله من زوال الدنيا ) فقد أخر الله فتح مكة من أجل ثلاثة رجال، وسبع أو تسع نسوة.
( ب ) دل قوله تعالى : بغير علم . على عدالة الصحابة وعصمتهم من التعدي، حتى لو أنهم أصابوا أحدا من المسلمين لكان ذلك من غير قصد، وهذا مشابه لقول النملة تصف جند سليمان : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون . ( النمل : ١٨ ).
( ج ) لم يكن منع أهل مكة للمسلمين من أداء العمرة لسبب معقول، وإنما كان تعصبا لآلهتهم وأصنامهم، وكراهية لدين لم يفحصوه، ولم يحاولوا أن يتفهموه، أما المؤمنون فقد ألزمهم الله السكينة والتقوى، وبعد النظر، وعوضهم بفتح خيبر ثم بفتح مكة.
وتفيد الآيتان ما يأتي :
( أ ) أن حرمة المسلم عند الله عظيمة ( ولقتل نفس مؤمنة أعظم عند الله من زوال الدنيا ) فقد أخر الله فتح مكة من أجل ثلاثة رجال، وسبع أو تسع نسوة.
( ب ) دل قوله تعالى : بغير علم . على عدالة الصحابة وعصمتهم من التعدي، حتى لو أنهم أصابوا أحدا من المسلمين لكان ذلك من غير قصد، وهذا مشابه لقول النملة تصف جند سليمان : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون . ( النمل : ١٨ ).
( ج ) لم يكن منع أهل مكة للمسلمين من أداء العمرة لسبب معقول، وإنما كان تعصبا لآلهتهم وأصنامهم، وكراهية لدين لم يفحصوه، ولم يحاولوا أن يتفهموه، أما المؤمنون فقد ألزمهم الله السكينة والتقوى، وبعد النظر، وعوضهم بفتح خيبر ثم بفتح مكة.
تفسير القرآن الكريم
شحاته