ذمّ المشركين وحكمة المصالحة يوم الحديبية
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)
الإعراب:
وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ الْهَدْيَ: منصوب بالعطف على الكاف والميم في صَدُّوكُمْ. ومَعْكُوفاً حال، وأَنْ يَبْلُغَ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: عن أن يبلغ محله، أو بدل اشتمال.
وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ رِجالٌ: مبتدأ مرفوع، وَنِساءٌ: معطوف عليهم، وخبر المبتدأ محذوف، ولا يجوز إظهار خبر المبتدأ إذا وقع بعدلطول الكلام بجوابها.
لَمْ تَعْلَمُوهُمْ في موضع رفع، لأنه صفة ل رِجالٌ، وَنِساءٌ.
وأَنْ تَطَؤُهُمْ أي تقتلوهم، وفي موضع أَنْ وجهان: الرفع على البدل بدل اشتمال من رِجالٌ، أي ولولا وطؤكم رجالا مؤمنين لم تعلموهم، أو النصب على البدل بدل اشتمال من الهاء والميم في تَعْلَمُوهُمْ أي ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموا وطأهم.
وجوابمحذوف أغنى عنه جواب لَوْ في قوله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا.. واللام في لِيُدْخِلَ اللَّهُ متعلق بمحذوف، دلّ عليه قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
ولا تتعلق ب كَفَّ هذه لأنها صلة الَّذِي، ووقع فصل طويل في الكلام بين كَفَّ واللام، ولا يجوز الفصل بينهما.
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِذْ: متعلق ب «عذبنا».
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من الْحَمِيَّةَ.
المفردات اللغوية:
وَصَدُّوكُمْ منعوكم عن الوصول إليه. وَالْهَدْيَ أي وصدّوا الهدي: وهو ما يهدى إلى مكة، أو ما يقدّم قربانا لله تعالى إلى الحرم ويذبح فيه، حين زيارة البيت الحرام في الحج أو العمرة، وهو سنّة. مَعْكُوفاً محبوسا عن الوصول للحرم. أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أن يصل مكانه الذي ينحر فيه عادة، وهو منى أو الحرم المكي. وليس المراد مكانه الذي يحل فيه نحره، وإنما المراد مكانه المعهود، وهو منى، وإلا لما نحره الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم حيث أحصر، قال البيضاوي:
فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر، هو الحرم.
وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ موجودون بمكة مع الكفار. لَمْ تَعْلَمُوهُمْ لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين. أَنْ تَطَؤُهُمْ مأخوذ من الوطء: الدوس، والمراد به هنا الإهلاك،
جاء في الحديث: «اللهم اشدد ووطأتك على مضرّ»
أي أن تبيدوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح. فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ من جهتهم. مَعَرَّةٌ مكروه ومشقّة، وإثم بالتقصير في البحث عنهم، والمكروه كوجوب الدّية والكفارة بقتلهم، والتأسف عليهم، وتعيير الكفار بذلك. مأخوذ من عرّه: إذا عراه ودهاه ما يكرهه. بِغَيْرِ عِلْمٍ منكم، متعلق ب أَنْ تَطَؤُهُمْ غير عالمين بهم. وضمائر الغيبة للصنفين بتغليب الذكور. وجوابمحذوف، لدلالة الكلام عليه، تقديره: لأذن لكم في الفتح أو لما كفّ أيديكم عنهم. والمعنى: لولا كراهة أن تبيدوا أناسا مؤمنين بين الكفار، جاهلين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم أو إبادتهم مكروه، لما كفّ أيديكم عنهم.
لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ علة لكف أيدي أهل مكة، صونا للمؤمنين، أي كان ذلك ليدخل اللَّه في توفيقه لزيادة الخير، أو الإسلام. مَنْ يَشاءُ من المؤمنين أو المشركين.
لَوْ تَزَيَّلُوا تميّزوا عن الكفار أو تفرّقوا عنهم. لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي لعذّبنا الكافرين من أهل مكة حينئذ بالقتل والسّبي. عَذاباً أَلِيماً مؤلما شديد الألم.
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي اذكر حين ذاك، أو ظرف لَعَذَّبْنَا، أو صَدُّوكُمْ.
الْحَمِيَّةَ الأنفة من الشيء. حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ التي تمنع إذعان الحق، وهي صدّهم النّبي وأصحابه عن المسجد الحرام، فهي حمية في غير موضعها، لا يؤيدها دليل ولا برهان. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنزل عليهم الثبات والوقار، وصالحوا أهل مكة على أن يعودوا من
قابل، ولم يلحقهم من الحمية ما لحق الكفار، حتى يقاتلوهم. وَأَلْزَمَهُمْ أي المؤمنين. كَلِمَةَ التَّقْوى كلمة الشهادة: «لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه»، وقيل: هي بسم اللَّه الرحمن الرحيم، أي اختارها لهم، أو ألزمهم الثبات والوفاء بالعهد، وإضافة الكلمة إلى التقوى، لأنها سبب التقوى وأساسها. أَحَقَّ بِها أولى بالكلمة من الكفار. وَأَهْلَها المستأهلين لها، وهو عطف تفسيري لكلمة أَحَقَّ بِها. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أي ولم يزل متّصفا بذلك، فيعلم من هو أهل كل شيء، وييسره له.
سبب النزول: نزول الآية (٢٥) :
وَلَوْلا رِجالٌ..: أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي جمعة جنيد بن سبع «١» قال: قاتلت النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أول النهار كافرا، وقاتلت معه آخر النهار مسلما، وكنّا ثلاثة رجال وسبع نسوة، وفينا نزلت: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ. وفي رواية ابن أبي حاتم: «كنا ثلاثة رجال، وتسع نسوة، وفينا نزلت: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ.. الآية».
المناسبة:
بعد أن ذكر اللَّه تعالى امتنانه العظيم على المؤمنين إذ كف عنهم أيدي الكافرين من قريش، وكف أيدي المؤمنين عن الكافرين، وأبرم بينهم ميثاق صلح الحديبية، أبان تعالى أسباب هذا الكفّ المتبادل، وأوضح حكمة المصالحة بقوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ حفاظا عليهم، ومن أجل نشر دين الإسلام ودخول الناس فيه، وتبديد آثار الأنفة والحمية الجاهلية التي لا تستند إلى برهان معقول، وإنزال السكينة والطمأنينة والثبات على قلب الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم وأتباعه المؤمنين، وإلزامهم الوفاء بالعهود.
وقد بيّنت سابقا كيف تمّ الصلح الذي جاء في بعض رواياته: أنه لما همّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بقتال كفار قريش، بعثوا سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص، ليسألوه أن يرجع في عامه، على أن تخلي قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، فأجابهم، وكتبوا بينهم كتابا، على النحو المذكور آنفا.
التفسير والبيان:
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي إن مشركي العرب من قريش وحلفائهم هم الكفار الجاحدون توحيد اللَّه دون غيرهم، وهم منعوكم أيها المسلمون من الطواف بالبيت الحرام، وأنتم أحقّ به وأنتم أهله، وصدّوا الهدي (ما يهدى إلى الحرم من الأنعام) محبوسا في مكانه عن بلوغ محلّه بغيا وعنادا، وكان الهدي سبعين بدنة (ناقة) ومحلّه: منحره الذي يذبح فيه عادة، وهو حيث يحلّ نحره من الحرم، وهو منى أو الحرم المكي، فرخّص اللَّه سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية مكان الإحصار (المنع من دخول مكة) محلّا للنحر، وكانوا خارج الحرم.
وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي ولولا وجود المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات بمكة، الذين يكتمون إيمانهم ويخفونه خيفة على أنفسهم من قومهم، لأذنّا لكم بالفتح، ولما كففنا أيديكم عنهم، ولكنّا سلّطناكم عليهم، فقتلتموهم واستأصلتموهم، ولكن يقع بينهم فريسة القتل أقوام من المؤمنين والمؤمنات لم تعرفوهم ولم تعلموا أنهم مؤمنون حالة القتل، فتطؤوهم بالقتل، فتصيبكم من جهتهم مشقة وتأسف، وإثم وكفّارة على القتل الخطأ، لوقوع القتل جهلا بغير علم منكم بهم، وحينئذ يقول المشركون: إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم.
لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ أي ولكن كف أيديكم عنهم وحال بينكم وبين قتالهم ليخلص المؤمنين من أسرهم، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام.
لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا، وانفصل بعضهم عن بعض بما يسمى اليوم بفك الارتباط، لعذبنا الذين كفروا عذابا مؤلما وهو القتل، بأن نسلطكم عليهم، فتقتلوهم قتلا ذريعا. والخلاصة: لو تزيل المؤمنون من الكفار لعذبهم اللَّه عذابا أليما بقتلهم إياهم.
ثم بيّن اللَّه تعالى ظرف العذاب أو وقته، فقال:
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى، وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم أنفة الجاهلية التي لا تذعن للحق ولا تعرف منطقا ولا تعتمد دليلا مقنعا، وهي قولهم: واللات والعزى لا يدخلونها علينا، وإباؤهم كتابة البسملة ووصف محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم بأنه رسول اللَّه في مقدمة صلح الحديبية.
فأنزل اللَّه الطمأنينة والثبات والصبر على رسوله وعلى المؤمنين، حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية، وثبّتهم على الرضا والتسليم، وألزمهم كلمة الشهادة أو التوحيد وهي «لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه» أو ألزمهم تعظيم الحرم، وترك القتال فيه، ولم يستفزهم صنيع الكفرة، لينتهكوا حرمة الحرم.
وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة وأجدر بها وأهلا لها من دون الكفار، إذ هم أهل الخير والصلاح والعقيدة الصحيحة، على نقيض الكفار ذوي العقيدة الفاسدة.
وكان اللَّه وما يزال عليما بمن يستحق الخير، ممن يستحق الشر.
روى النسائي عن أبي بن كعب رضي اللَّه عنه أنه كان يقرأ: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ، حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ولو حميتم كما حموا، لفسد المسجد الحرام، فبلغ ذلك عمر رضي اللَّه عنه، فأغلظ له، فقال- أي أبي-: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فيعلمني مما علّمه اللَّه تعالى، فقال عمر رضي اللَّه عنه: بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعلّم مما علّمك اللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- ذمّ اللَّه تعالى قريشا إذ كفروا بتوحيد اللَّه، ومنعوا المؤمنين دخول المسجد الحرام عام الحديبية، حين أحرم النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم مع أصحابه بعمرة، ومنعوا الهدي وحبسوه عن أن يبلغ محلّه، ولم يكن هذا من اعتقادهم، ولكنه حملتهم الأنفة، ودعتهم حميّة الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه دينا، فوبخهم اللَّه على ذلك وتوعدهم عليه، وآنس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ببيانه ووعده.
٢- إن حرمة المؤمن عند اللَّه عظيمة، فقد كان صلح الحديبية من أجل ثلاثة رجال وسبع أو تسع نسوة حتى لا يقتلوا في زحمة المعركة لو حدث قتال، فيعاب المسلمون، ويقول المشركون: قد قتلوا أهل دينهم، وتلزمهم كفارة القتل الخطأ، لأن اللَّه تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها، ولم يعلم بإيمانه الكفارة دون الدّية في قوله: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء ٤/ ٩٢].
٣- دل قوله تعالى: بِغَيْرِ عِلْمٍ على تفضيل الصحابة، واتصافهم بصفات كريمة من العفة عن المعصية، والعصمة عن التعدّي، حتى لو أنهم أصابوا
من ذلك أحدا، لكان من غير قصد. وهذا مشابه لوصف النملة جند سليمان عليه السلام في قولها: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل ٢٧/ ١٨].
٤- لم يأذن اللَّه للمسلمين في قتال المشركين عام الحديبية ليسلم بعد الصلح الموفّق للإسلام من أهل مكة، وقد أسلم الكثير منهم، وحسن إسلامهم، ودخلوا في رحمة اللَّه، أي جنته.
٥- لو تميز المؤمنون عن الكفار لعذّب الكفار بالسيف، ولكن اللَّه تعالى يدفع بالمؤمنين عن الكفار.
٦- آية وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ.. دليل على وجوب مراعاة حرمة المؤمن والامتناع من قتله إذا اختلط بالكفار، إلا لمصلحة ضرورية قطعية كلية، كما في قتل التّرس، أي المسلمين المتترس بهم من قبل العدو، فيتخذهم دريئة تحمي نفوسهم، وحيلة تمكنهم من التقدم.
ومعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس.
ومعنى أنها كلية. أنها قاطعة مفيدة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس، واستولوا على كل الأمة.
ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا.
والمصلحة بهذه القيود لا خلاف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، إما بأيدي العدو، فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، وإما بأيدي المسلمين، فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون.
ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز تعمد المسلمين المتترس بهم بالقتل، وهل تجب الدية والكفارة؟ اختلف العلماء:
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي