تفسير المفردات : الحمية : الأنفة، يقال : حميت من كذا حمية إذا أنفت منه وداخلك منه عار، والمراد بها ثوران القوة الغضبية، وحمية الجاهلية : حمية في غير موضعها لا يؤديها دليل ولا برهان، وكلمة التقوى هي : لا إله إلا الله، وأهلها : أي المستأهلين.
المعنى الجملي : بعد أن أبان فيما سلف أن الله كف أيدي المؤمنين عن الكافرين، وكف أيدي الكافرين عن المؤمنين – عين هنا مكان الكف وهو البيت الحرام الذي صدوا المؤمنين عنه، ومنعوا الهدي معكوفا أن يبلغ محله، والسبب الذي لأجله كفوهم هو كفرهم بالله، ثم أخبرهم بأنه لولا أن يقتلوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لا علم لهم بهم فيلزمهم العار والإثم – لأذن لهم في دخول مكة، ولقد كان الكف ومنع التعذيب عن أهل مكة ليدخل الله في دين الإسلام من يشاء منهم بعد الصلح وقبل دخولها، وليمنعن الأذى عن المؤمنين منهم، ولو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما بالقتل والسبي حين جعلوا في قلوبهم أنفة الجاهلية التي تمنع من الإذعان للحق، ولكن أنزل الله الثبات والوقار على رسوله وعلى المؤمنين فامتنعوا أن يبطشوا بهم، وألزمهم الوفاء بالعهد وكانوا أحق بذلك من غيرهم إذ اختارهم الله لدينه وصحبة نبيه.
روي أنه لما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ليسألوه أن يرجع في عامه على أن تخلي قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام فأجابهم وكتبوا بينهم كتابا، فقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه :( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم )، فقالوا : لا نعرف هذا ؛ اكتب باسمك الله، ثم قال عليه السلام :( اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة ) فقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال صلى الله عليه وسلم :( اكتب ما يريدون )فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك وأن يبطشوا بهم، فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا واحتملوا كل هذا، وقد تقدم ذلك برواية أخرى.
الإيضاح : ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب بين وقته فقال :
إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم أنفة الجاهلية، فامتنع سهيل بن عمرو أن يكتب في كتاب الصلح الذي بين رسول الله والمشركين بسم الله الرحمان الرحيم وأن يكتب فيه ( محمد رسول الله ) وامتنع هو وقومه أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عامه هذا المسجد الحرام، فأنزل الله الصبر والطمأنينة على رسوله، ففهم عن الله مراده وجرى على ما يرضيه، وأنزله على المؤمنين فألزمهم أمره وقبلوه، وحماهم من همزات الشياطين، وألزمهم كلمة التوحيد والإخلاص لله في العمل، وكانوا أحق بها، وكانوا أهلها، إذ هم أهل الخير والصلاح.
وكان الله بكل شيء عليما سواء أكان من المؤمنين أم من الكفار فيجازي كلا بما عمل.
تفسير المراغي
المراغي