ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

وقال في القوت: الوقاية مقرونة بالنصرة فإذا تولاَّه نَصَره على أعدائه، وأعْدى عدُوه نفْسُه، فإذا نَصَره عليها، أخرج الشهوة منها، فامتحنَ قلبَه للتقوى، ومحّض نفسَه، فخلّصها من الهوى.. هـ.
ثم ذكر من لم يستعمل الأدب مع الحضرة النّبوية، فقال:
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٤ الى ٥]
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
يقول الحق جلّ جلاله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ من خارجها، أو: من خلفها، أو:
من أمامها، فالوراء: الجهةُ التي تُواري عنك الشخص تُظلّله من خلف أو من قُدّام، و «من» لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان، والحجرة: الرقعة من الأرض، المحجورة بحائطٍ يحوط عليها، فعْلة، بمعنى مفعولة، كالقُبْضَة، والجمع: حُجُرات، بضمتين، وبفتح الجيم، والمراد: حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لكل امرأة حُجرة.
نزلت في وفد بني تميم، وكانوا سبعين، وفيهم عينيةُ بن حِصنُ الفزاري، والأقرعُ بن حابس، وفَدوا على النبي ﷺ وقت الظهيرة، وهو راقد، فنادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته، وقالوا: اخرجْ إلينا يا محمدُ فإنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ، وذمّنا شيْن، فاستيقظ، وخرج عليه السلام وهو يقول: «ذلكم الله الذي مدحُه زين، وذمّه شين»، فقالوا: نحن قوم من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا، لنشاعرك، ونفاخرك، فقال صلّى الله عليه وسلم: «ما بالشعر بُعثت، ولا بالفخار أُمرت»، ثم أمر صلّى الله عليه وسلم خطيبهم فتكلّم، ثم قال لثابت بن قيس بن شماس- وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم: قم، فقام، فخطب، فأقحم خطيبَهم، ثم قام شاب منهم، فأنشأ يقول:

نَحنُ الْكرامُ فَلاَ حَيٌّ يُعَادِلُنَا فينا الرُّؤوس وفينا يُقْسَمُ الرَّبعُ
ونُطعِمُ النَّاسَ عِندَ الْقَحطِ كُلَّهمُ إنَّا كَذَلِكِ عند الفخر نرتفع «١»
(١) هكذا جاء فى الأصول، أما فى البحر المحيط (٨/ ١٠٦- ١٠٧) وأسباب النّزول للواحدى (ص ٤٠٥) وغيرهما من المصادر، فذكروا بعد البيت الأول:

صفحة رقم 417

فقال صلّى الله عليه وسلم لحسّان: قم فأجبه، فقال:

ونُطعِمُ النَّاسَ عِندَ الْقَحطِ كلهم من السديف إذا لم يؤنس الفزع
إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد إنَّا كَذَلِكِ عِنْدَ الْفخرُ نرتفع.
إنَّ الذوائبَ من فِهْرٍ وإخوتهمْ قَدْ شَرَّعوا سُنَّةً للناس تُتبعُ
يرضى بها كلُّ مَن كانت سريرتُه تَقوَى الإله وكلُّ الفخر يُصطنعُ «١»
ثم قال الأقرع شعراً افتخر به، فقال عليه السلام- لحسّان، قم فأجبه، فقال حسّان:
بَنِي دَارِمٍ، لاَ تَفْخُروا، إِنَّ فَخْرَكُمْ يَعُودُ وَبالاً عِنْد ذِكْرِ الْمكَارِمِ
هَبلْتُم، عَليْنا تَفْخرُون وأَنْتُم لَنا خَوَلٌ من بَيْن ظِئْرٍ وخادِمِ «٢»
فقال صلّى الله عليه وسلم: «لقد كنتَ غنياً عن هذا يا أخا بني دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أن الناس قد نسوه»، ثم قال الأقرعُ: تكلم خطيبُنا، فكان خطيبهُم أحسن قِيلاً، وتكلم شاعرُنا فكان شاعِرُهم أشعر. هـ «٣».
هذا ومناداتُهم من وراء الحجرات إما لأنهم أتَوْها حجرةً حجرة، فنادوه صلّى الله عليه وسلم من ورائها، أو: بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له صلى الله عليه وسلم، أو: نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جُمعت إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل:
الذي ناداه عُيينةُ بن حصن والأقرعُ، وإنما أُسند إلى جميعهم لأنهم راضون بذلك وأَمروا به. أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، إذ لو كان لهم عقل لَمَا تجاسروا على هذه العظيمة من سوء الأدب.
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا أي: ولو تحقق صبرُهم وانتظارُهم، فمحل (أنهم صبروا) رفعٌ على الفاعلية لأنَّ «أنْ» تسبك بالمصدر، لكنها تفيد التحقق والثبوت، للفرق بين قولك: بلغني قيامك، وبلغني أنك قائم، و «حتى» تُفيد أن الصبر ينبغي أن يكون مُغَيّاً بخروجه عليه السلام، فإنها مختصة بالغايات. والصبرُ: حبسُ النفس على أن تُنازع إلى هواها، وقيل: «الصبر مرٌّ، لا يتجرعه إلا حُرٌّ». أي: لو تأنوا حتى تخرج إليهم بلا مناداة لكان الصبرُ خيراً لهم من الاستعجال، لِما فيه من رعاية حسن الأدب، وتعظيمِ الرسول، الموجبتين للثناء والثواب، والإسعاف بالمسئول إذ رُوي أنهم وفدوا شافعين في أسارى بني العنبر، وذلك أنه صلّى الله عليه وسلم بعث سريةً إلى حي بني العنبر، وأمّرَ عليهم عيينة
(١) انظر ديوان حسان بشرح البرقوقى ص ٣٠١. وفيه:
إنَّ الذوائبَ من فِهْرٍ وإخوتهم قد بينوا سُنَّةً للناس تُتبعُ
يرضى بها كلُّ مَن كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
(٢) انظر ديوان حسان ص ٤٣٧.
(٣) أخرجه الواحدي فى أسباب النّزول ص (٤٠٤- ٤٠٦) عن جابر بن عبد الله. وعزاه الحافظ ابن حجر فى الكافي الشاف (ص ١٥٥- ١٥٦ رقم ١٥) للثعلبى. وأخرج الجزء الأول من القصة، الترمذي فى (التفسير، باب ومن سورة الحجرات، ح ٣٢٦٧) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.

صفحة رقم 418

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

تحقيق

أحمد عبد الله القرشي رسلان

الناشر الدكتور حسن عباس زكي - القاهرة
سنة النشر 1419
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية