وأخرج الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زيد ابن أرقم قال جاء ناس من العرب إلى حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادون يا محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات وما بعدها، قرأ الجمهور بضم الجيم وأبو جعفر بفتح الجيم وهما لغتان في جمع حجرة، وقال البغوي هي جمع حجر والحجر جمع حجرة فهي جمع الجمع والحجرة قطعة من الأرض إحاطتها الجدران من الحجر بمعنى المنع، والمراد حجرات نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومن ابتدائية فإن المناداة نشأت من جهة الوراء وفيه دلالة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان داخل حجرة منها إذ لا بد ان يختلف المبدأ أو المنتهى وإن مناداتهم كان من ورائها فإن تعدد القصة يحمل على أن مناداتهم وقع تارة وراء بعض وتارة وراء بعض آخر ومنها وإن تحد القصة فمناداتهم من ورائها، إما بأنهم أتوه حجرة حجرة فنادوه من ورائها أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له أكثرهم لا يعقلون ، فإنهم كانوا أعرابا من أهل البادية أو المعنى لا يعقلون عظمتك ومراعاة الحشمة وحسن الأدب والظاهر منه أن بعضهم كانوا من العقلاء ولم يرتض بالتعجيل وإنما أسند فعل البعض إلى الكل مجازا ويحتمل أن يراد بالنفي القلة إذ القلة تقع موقع النفي العام. أخرج الثعلبي من حديث جابر أن الذي ناداه عيينة بن حصن وأقرع ابن حابس وفدا على لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا وقت الظهيرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم راقدا في بعض الحجرات نسائه فقالا يا محمد أخرج علينا، وأخرج ابن جرير عن الأقرع ابن حابس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أخرج إلينا فنزلت، وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد عن مدحي زين وإن شتمي شين فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك هو الله فنزلت هذه الآية وهذا مرسل وله شاهد مرفوع من حديث البراء دون نزول الآية، وأخرج ابن جريج نحوه عن الحسن وذكر البغوي حديث قتادة وجابر بلفظ قال قتادة نزلت يعني هذه الآية وما بعدها في ناس من أعراب بني تميم جاؤوا على النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب، ويروى ذلك عن جابر قال جاءت بنو تميم فنادوا على الباب أخرج علينا يا محمد فإن مدحنا زين وذمنا شين فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول :( إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين )، فقالوا نحن ناس من بني تميم جئنا وشاعرنا وخطيبنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت ابن قيس ابن شماس وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم قم فأجبه فقام فأجابه فقام شاعرهم يذكر أبياتا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان ابن ثابت قم فأجبه فقام فأجابه فقام الأقرع ابن حابس فقال إن محمدا ليؤتى له بكل خير تكلم خطيبنا فكان شاعركم أشعر وأحسن قولا ثم دنا من النبي صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فقال رسول الله ( ما يضرك ما كان قبل هذا ) ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم وقد كان تخلف في ركابهم عمرو ابن الأهتم لحداثة سنه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم وأزرى به بعضهم وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل فيهم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآيات الأربع إلى غفور رحيم .
وذكر البغوي عن ابن عباس أنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر وأمر عليهم عيينة ابن حصن الفرازي فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم فسابهم عيينة وقدمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله فلما رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون وكان لكل امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة، فعجلوا قبل أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادون يا محمد أخرج إلينا حتى أيقظوه من نومه فخرج إليهم فقالوا يا محمد فادنا عيالنا جبرئيل عليه السلام فقال إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أترضون أن يكون بيني وبينكم سبرة ابن عمرو وهو على دينكم فقالوا نعم فقال سبرة أنا لا أحكم بينهم إلا وعمي شاهد وهو الأعور ابن بشامة فرضوا به، فقال الأعور أرى أن تفادي نصفهم وتعتق فنصفهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رضينا ففادى نصفهم وأعتق بعضهم وأنزل الله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ٤
التفسير المظهري
المظهري