ثم ذكر من لم يستعمل الأدب مع الحضرة النبوية، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَراءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .
يقول الحق جلّ جلاله : إِنَّ الذين يُنادونك من وراء الحجرات من خارجها، أو : من خلفها، أو : من أمامها، فالوراء : الجهةُ التي تُواري عنك الشخص تُظلّله من خلف أو من قُدّام، و " مِن " لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان، والحجرة : الرقعة من الأرض، المحجورة بحائطٍ يحوط عليها، فعْلة، بمعنى مفعولة، كالقُبْضَة، والجمع : حُجُرات، بضمتين، وبفتح الجيم، والمراد : حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لكل امرأة حُجرة.
نزلت في وفد بني تميم، وكانوا سبعين، وفيهم عينيةُ بن حِصنُ الفزاري، والأقرعُ بن حابس، وفَدوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة، وهو راقد، فنادوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته، وقالوا : اخرجْ إلينا يا محمدُ ؛ فإنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ، وذمّنا شيْن، فاستيقظ، وخرج عليه السلام وهو يقول :" ذلكم الله الذي مدحُه زين، وذمّه شين "، فقالا : نحن قوم من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا، لنُشاعركَ، ونُفاخرك، فقال صلى الله عليه وسلم :" ما بالشعر بُعثت، ولا بالفخار أُمرت "، ثم أمر صلى الله عليه وسلم خطيبهم فتكلّم، ثم قال لثابت بن قيس بن شماس - وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم : قم، فقام، فخطب، فأقحم خطيبَهم، ثم قام شاب منهم، فأنشأ يقول١ :
| نَحنُ الْكرامُ فَلاَ حَيٌّ يُعَادِلُنَا | فينا الرُّؤوس وفينا يُقْسَمُ الرَّبعُ |
| ونُطعِمُ النَّاسَ عِندَ الْقَحطِ كُلَّهمُ | إنَّا كَذَلِكِ عِنْدَ الْفخرُ نَرْتَفعُ |
| إنَّ الذوائبَ من فِهْرٍ وإخوتهمْ | قَدْ شَرَّعوا سُنَّةً للناس تُتبعُ |
| يرضى بها كلُّ مَن كانت سريرتُه | تَقوَى الإله وكلُّ الفخر يُصطنعُ |
| بَنِي دَارِمٍ، لاَ تَفْخُروا، إِنَّ فَخْرَكُمْ | يَعُودُ وَبالاً عِنْد ذِكْرِ الْمكَارِمِ |
| هَبلْتُم، عَليْنا تَفْخرُون وأَنْتُم | لَنا خَوَلٌ من بَيْن ظِئْرٍ وخادِمِ |
هذا ومناداتُهم من وراء الحجرات ؛ إما لأنهم أتَوْها حجرةً حجرة، فنادوه صلى الله عليه وسلم من ورائها، أو : بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له صلى الله عليه وسلم، أو : نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جُمعت إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : الذي ناداه عُيينةُ بن حصن والأقرعُ، وإنما أُسند إلى جميعهم لأنهم راضون بذلك وأَمروا به. أكثرُهم لا يعقلون إذ لو كان لهم عقل لَمَا تجاسروا على هذه العظيمة من سوء الأدب.
٢ البيتان في ديوان حسان بن ثابت ص٣٠١..
٣ البيتان في ديوان حسان بن ثابت ص٤٣٧..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي