ولما كان مدار الأمر كله على صلاح القلوب وفسادها ذكره بإثره، فقال :
قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ يا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : قل لا يستوي الخبيث والطيب عند الله، في القلوب والأحوال والأعمال والأموال والأشخاص، فالطيب من ذلك كله مقبول محبوب، والرديء مردود ممقوت، فالطيب مقبول وإن قلّ، والرديء مردود ولو جلّ، وهو معنى قوله : ولو أعجبك كثرة الخبيث ، فالعبرة بالجودة والرداءة، دون القلة والكثرة، وقد جرت عادته تعالى بكثرة الخبيث من كل شيء، وقلة الطيب من كل شيء، قال تعالى : وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ [ ص : ٢٤ ]، وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
[ سَبَأ : ١٣ ]، وفي الحديث الصحيح :" النّاسُ كإبلٍ مِائةٍ لا تكادُ تَجِدُ فيها رَاحِلةَ " (١)، وقال الشاعر :
| إنّي لأفتَحُ عَينِيَ حِينَ أفتَحُها | عَلَى كُثِيرٍ ولكن لا أرى أحَدا |
الإشارة : لا عبرة بالأحوال الظلمانية وإن كثرت، وإنما العبرة بالأحوال الصافية ولو قلّت، صاحب الأحوال الصافية موصول، وصاحب الأحوال الظلمانية مقطوع، ما لم يتب عنها، قال بعض الحكماء :( كما لا يصح دفن الزرع في أرض ردية، لا يجوز الخمول بحال غير مرضية ).
والمراد بالأحوال الصافية : هي التي توافق مراسم الشريعة ؛ بحيث لا يكون عليها من الشارع اعتراض، بأن تكون مباحة في أصل الشريعة، ولو أخلت بالمروءة عند العوام، إذ المروءة إنما هي التقوى عند الخواص، والمراد بالأحوال، كل ما يثقل على النفس وتموت به سريعًا، كالمشي بالحفا وتعرية الرأس، والأكل في السوق، والسؤال، وغير ذلك من خرق عوائدها، التي هي شرط في حصول خصوصيتها، وفي الحِكَم :" كيف تخرق لك العوائد ؟ وأنت لم تخرق من نفسك العوائد ". وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي